الكاتبة الإعلامية عبير نبيل محمد
في ذاكرة الفداء… ماذا لو كان الوطن هو الذبيح؟
حين نجا الذبيحُ بأمر الله… وبقي السودان معلّقًا على حافة الألم
هناك جراحٌ لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بعدد الأرواح التي عاشت وهي تُدفن حيّة كل يوم. وما حدث في السودان ليس مجرد حربٍ عابرة، بل انهيارُ وطنٍ كامل فوق صدور أبنائه، حتى صار الإنسان السوداني يحمل بلاده كنعشٍ في قلبه أينما ذهب.
بين رمزية الأضحى، وتضحيات شعبٍ تُرك وحده في المذبحة، تقف الحقيقة أكثر قسوة: في السودان… لم تعد الحرب تقتل الناس فقط، بل تقتل شكل الحياة نفسها.
وفي أحد معسكرات النزوح، كانت أمٌّ سودانية تُشعل نارًا صغيرة لتخبز لأطفالها قطعة خبزٍ يابسة، بينما يمرّ العيد على الخيام كغريبٍ لا يعرف الطرق إلى القلوب المنهكة. هناك فقط، يفهم الإنسان كيف يمكن للحرب أن تسرق حتى معنى الفرح.
ــــــــــــــــــــــ
حين يتحوّل الوطن إلى ضحية
ــــــــــــــــــــــ
في أيامِ ذي الحجة، يعود العالم الإسلامي إلى واحدةٍ من أعظم قصص الإيمان في التاريخ؛ حين وقف نبيُّ الله إبراهيم أمام أصعب امتحان عرفه قلبُ أبٍ على وجه الأرض، وحين استسلم إسماعيل لأمر السماء، جاء الفداء من الله، فنزل الكبش العظيم.
وكان الفداء في تلك القصة رحمةً إلهية أوقفت الألم قبل اكتماله، ورسالةً خالدة بأن الله لا يترك القلوب الصادقة تُذبح وحدها إلى الأبد. أما في السودان… فما زال شعبٌ كامل ينتظر لحظة النجاة.
ماذا عن السودان؟ من يفدي هذا الشعب بعد أربعة أعوامٍ من الجحيم؟ أيُّ كبشٍ يكفي لفداء وطنٍ كاملٍ ذُبح ببطء؟
لقد دخل السودانيون الحرب بشوارعَ مليئةٍ بالحياة، ثم خرجوا منها حفاةً من كل شيء؛ من البيوت، من الأمان، من الذاكرة، حتى من القدرة على البكاء.
رأى العالم مدنًا تُحرق، وأطفالًا يبحثون عن الماء وسط الخراب، وأمهاتٍ يعددن أبناءهن كما يُعدُّ الناس أسماء الغائبين في المقابر الجماعية، وشيوخًا ماتوا قهرًا على أبواب النزوح، ونساءً أُهينت كرامتهن في زمنٍ يدّعي التحضّر، وأُناسًا بيعوا للخوف والجوع والتشرّد كأن البشرية عادت فجأةً إلى أسواق الجاهلية الأولى.
صار النجاة في السودان إنجازًا يوميًا لا يراه العالم.
وفي نهاية هذا الخراب… خرجت الأصوات الباردة
لتقول: “عفا الله عما سلف.”
لكن، من يملك حقَّ العفو عن دموع الأمهات؟ من يملك حقَّ الصفح عن طفلٍ نام جائعًا في خيمة، بينما كانت المدن تُنهب أمام عينيه؟ من يعوّض رجلًا عاد إلى منزله فلم يجد سوى الجدران المحروقة وذكريات أولاده تحت الركام؟ من يحاسب على أعمارٍ سُرقت من الشباب، وعلى أحلام البنات التي تحولت إلى خوفٍ دائم، وعلى وطنٍ صار أبناؤه غرباء داخله وخارجه؟
إن أخطر ما تصنعه الحروب ليس القتل وحده… بل اعتياد الناس على الظلم، حتى يصبح الخراب خبرًا عاديًا، ويتحول القاتل إلى طرفٍ سياسي، ويُطلب من الضحية أن تصمت باسم “التسوية”.
لكن هناك حقيقة لا تسقط بالتقادم: أن دعوة المظلوم لا تموت.
دعوة الأم التي فقدت أبناءها، ودعوة الأب الذي عجز عن إطعام أسرته، ودعوة الشيخ الذي هُجّر من أرضه، ودعوة الطفلة التي ارتجفت من صوت الرصاص، كلها ترتفع إلى السماء بلا حواجز.
فالعدل قد يتأخر، لكن الله لا ينسى.
وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل، لم يكن الدرس مجرد طاعة، بل كان وعدًا خفيًا بأن الرحمة الإلهية ترى القلوب المكسورة، وأن الفرج يأتي ولو بعد اللحظة الأخيرة.
أما الظالمون… فقد يظنون أن القوة تُسقط الحقوق، وأن الصفقات السياسية تمحو الدم، وأن الصمت يعني النسيان.
لكن التاريخ لا يرحم، والشعوب الموجوعة تحفظ أسماء جلاديها ولو بعد حين، والله يسمع الصوت الذي يخرج من قلبٍ احترق ظلمًا.
سيأتي يومٌ يُسأل فيه الجميع: من قتل السودان؟ من سرق فرحة العيد من الأطفال؟ من حوّل الأضاحي إلى مواكب حقيقية من البشر؟
وحينها لن تنفع الخطب، ولا بيانات المصالحة، ولا مسرحيات النسيان.
لأن الأوطان قد تُنهك… لكن حقَّ المساكين لا يُهدر، ودموع الأبرياء لا تضيع، والدعوة التي ليس بينها وبين الله حجاب لا تسقط أبدًا.
ورغم كل هذا الرماد، ما زال في السودان قلوبٌ تقاوم الخراب، وأمهاتٌ يزرعن الصبر في وجوه أطفالهن، وشبابٌ يحاولون جمع ما تبقى من الوطن من تحت الركام. فالشعوب التي عرفت الألم بهذا العمق، تعرف أيضًا كيف تنهض من جديد.
وسيظل السودان، مهما أثقلته الدماء، أكبر من الذين حاولوا دفنه.
سلامً وأمانٌ … فالعدلُ ميزان.
توقّعي
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد، وأنا امرأةٌ من حبرِ النار؛ لا تنطفئُ بالحروب، ولا تنكسرُ أمام الضجيج، أحملُ في صوتي وجعَ الأمهات، وفي قلبي وطنًا كلما احترق… نهض.
أنا ابنةُ الحكايات التي لم يكتبها المنتصرون، وصوتُ الذين سُرقت منهم البيوتُ والأعيادُ والطمأنينة، أكتب لأن الصمتَ خيانة، ولأن العدالةَ وإن تأخرت تعرف الطريق جيدًا إلى أبواب المظلومين.
عبير نبيل محمد
امرأة من حبر النار
