زكريا علي عبدالرسول : كاتب ومحلل سياسي
علي حافة الحقيقة..
● إن الحروب لا تقتل البشر فقط…
أحياناً تقتل المعاني التي عاش الناس داخل كنفها لمئات السنين. وهذا بالضبط ما بدأ يتشكل بهدوءٍ وخطورة داخل المشهد الدارفوري، بعيداً عن ضجيج السياسة وخنادق المعارك.
فبينما ينشغل الجميع بتعداد القتلى والخسائر العسكرية، هناك خسارةٌ أكبر بدأت تتسرب إلى عمق الوعي الجمعي:
انهيار الثقة النفسية والروحية عند بعض الضحايا تجاه الفضاء الذي كانوا ينتمون إليه تاريخياً، عربياً كان أو إسلامياً.
في السابق، كانت دارفور رغم تعقيداتها القبلية والسياسية هي جزءاً من فضاءٍ ثقافي وروحي متداخل، حيث لم تكن العروبة نقيضاً للأفريقية، ولا الإسلام خصماً للهويات المحلية.
بل ظل الناس يتعايشون داخل تركيبة سودانية مرنة، اختلط فيها الدم والثقافة والمصاهرة والدين عبر قرون طويلة. لكن الحروبات الأخيرة ضربت هذه المساحات الهشة بعنفٍ غير مسبوق.
فحين تُحرق القرى، وتُغتصب النساء، ويُقتل الأطفال، ويُهجّر الناس تحت شعاراتٍ ذات حمولة عرقية أو دينية، فإن الضحية لا تنظر فقط إلى الجريمة، بل تبدأ تدريجياً في إعادة تعريف كل الرموز المرتبطة بها.وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية!!.
المشكلة لم تكن يوماً في الإسلام كدين، ولا في العروبة كثقافة، وإنما في توظيفهما داخل مشاريع الحرب والاستعلاء والإقصاء.
فالذين مارسوا القتل والنهب والحرق، لم يدمروا القرى وحدها، بل دمّروا أيضاً الصورة النفسية لتلك الرموز داخل وجدان الضحايا.ولهذا لم يعد مستغرباً أن تظهر وسط بعض الشباب الدارفوري حالة نفورٍ حادة من كل ما يُنظر إليه باعتباره “امتداداً للجلاد”، حتى وإن كان ديناً أو هويةً عاشوا داخلها أجيالاً طويلة.
وهنا بدأ البعض يرى النجاة النفسية خارج “كابينة العروبة والإسلام”، لا بدافع قناعةٍ فكرية خالصة دائماً، بل أحياناً كهروبٍ من ذاكرةٍ مثقلة بالدم والنار والإذلال.وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي مجتمع بعد الحرب.
فالضحية حين تفقد ثقتها في محيطها الحضاري، تبدأ تلقائياً في البحث عن بديل يمنحها الإحساس بالأمان والكرامة والاعتراف.
وحين تُترك الجراح بلا عدالة، وتُواجه المظالم بالصمت أو التبرير أو الإنكار، فإن القطيعة النفسية تتحول مع الوقت إلى قطيعةٍ ثقافية وروحية كاملة.
وهنا تحديداً يقع الخلل الحقيقي!!.
الخلل ليس في اختلاف الناس، بل في فشل الدولة والنخب والمؤسسات الدينية والسياسية في حماية فكرة التعايش نفسها.
فالخطاب الذي سمح بتغليف الجرائم برداءٍ ديني أو عرقي، والخطاب الذي مارس الصمت الانتقائي تجاه الانتهاكات، ساهم بصورةٍ مباشرة في دفع بعض الضحايا نحو النفور من المجال الذي شعروا أنه خذلهم أو تواطأ مع آلامهم.كما أن جزءاً من الأزمة يعود إلى الاستعلاء التاريخي الذي تعاملت به بعض النخب مع مكونات الهامش، وكأن الانتماء للعروبة يمنح تفوقاً رمزياً على الآخرين، أو كأن الوطنية تُقاس بالقرب من المركز الثقافي والعرقي.
ومثل هذا الوعي المشوّه كان دائماً وقوداً مؤجلاً للانفجار.
لكن، وفي المقابل، فإن تحويل الألم المشروع إلى عداءٍ شامل ضد العرب أو المسلمين، لا يصنع خلاصاً حقيقياً، بل يفتح الباب أمام دورةٍ جديدة من الكراهية المضادة والتفكك المجتمعي.
فالجرائم ارتكبها أشخاص ومليشيات ومشاريع سياسية منحرفة، لا دينٌ كامل ولا ثقافةٌ كاملة.
ولهذا فإن المعالجة لا يمكن أن تكون أمنية أو عسكرية فقط، لأن الأزمة تجاوزت السياسة إلى أزمة معنى وانتماء وثقة.
السودان اليوم يحتاج، قبل فوات الأوان، إلى مشروع شجاع يعترف بالمظالم دون مكابرة، ويفصل الدين عن جرائم الحرب، ويعيد بناء مفهوم المواطنة على أساس العدالة لا الهيمنة، وعلى أساس الكرامة الإنسانية لا الامتيازات العرقية.
كما يحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية تُشعر الضحايا أن دماءهم ليست رخيصة، وإلى مصالحة مجتمعية عميقة تعيد ترميم الجسور النفسية التي حطمتها الحرب، وإلى مراجعة جذرية للخطاب الديني والإعلامي والتعليمي الذي غذّى الكراهية أو برّر الصمت تجاهها.لأن أخطر ما قد يحدث للسودان…
ليس فقط استمرار الحرب، بل أن يستيقظ يوماً ليجد أن بعض أبنائه لم يعودوا يرون أنفسهم جزءاً من المجال الذي عاشوا داخله لقرون، وأنهم بدأوا يبحثون عن النجاة خارج هويتهم القديمة، لا حباً في البديل دائماً، وإنما هروباً من الوجع الذي تركته الحرب داخل أرواحهم.
*اللهم فاشهد إني قد بلغت “
،،،سروري مع خالص تحياتي ،،،
