الثلاثاء, مايو 5, 2026
الرئيسيةمقالات"عزة" العابرة للحدود: من خنادق الجنرال إلى مسيرات الغدر ...

“عزة” العابرة للحدود: من خنادق الجنرال إلى مسيرات الغدر بقلم: أمين أحمد ود الريف


في صالة تحرير صحيفة الصحافة عام 2014، حيث يتقاطع ضجيج الأخبار بعبق التاريخ العسكري، جلس الجنرال أحمد طه محمد الحسن شامخاً كطودٍ من المعرفة. كنتُ حينها غارقاً في تعقيدات الدراسات الاستراتيجية ومكلفاً بتغطية بؤر النزاع النشطة، ولم أكن أدرك أنني أجلس أمام رجلٍ لم يقرأ التاريخ فحسب، بل شارك في رسم خطوطه بالنار والبارود.
أصولي من الشُرفة شمال بربر، قالها بنبرةٍ تجمع بين صرامة العسكري وحنين الصحفي. كانت سيرته تتمدد تلسكوبياً لتكثف تاريخ المنطقة؛ فهو الطالب الحربي الذي نال شرف الوقوف على المدفع في طابور جنازة الرئيس جمال عبد الناصر، في مشهدٍ لخص كبرياء جيلٍ عسكريٍ لا يعرف الانكسار. ومن بروتوكولات الجنازات الرسمية، انتقل الجنرال إلى وعورة الميدان، مرابطاً على خط الحدود الإثيوبية، وفي أحراش النيل الأزرق ومناطق النوير.
هناك، في قلب الجحيم، قاد عملية “عزة”؛ تلك الملحمة الجراحية التي لم تكتفِ بتأمين الحدود، بل توغلت لتدمر معسكرات الجيش الشعبي التابع لحركة قرنق في العمق الإثيوبي. كانت عملية بترٍ استراتيجية شلت نشاط التمرد داخل الحدود الإثيوبية لسنوات طويلة، وهي التجربة التي صهرها لاحقاً في أوبريت عزة، محولاً هدير الدبابات إلى ترنيمة وطنية باقية.
اليوم، والسودان يواجه تهديد المسيرات الغادرة التي تنطلق من خلف ذات التخوم الحدودية لتستهدف أمن المدن، تبرز الحاجة الوجودية لاستعادة عقيدة الجنرال. إن الواقع الاستراتيجي لا يحتمل أنصاف الحلول؛ بل يفرض إعادة إنتاج عملية “عزة” بروحٍ عصرية. المطلوب هو فعلٌ عسكريٌ استباقي يُسكت المسيرات في منصاتها خلف الحدود، ويفرض معادلة ردعٍ تحمي السيادة الوطنية وتنهي عبث المجموعات التي تستغل الجوار الجغرافي.
كان أحمد طه مدرسةً ترى في السيادة خطاً أحمر لا يقبل التفاوض. رحل الجنرال وبقيت وصيته الاستراتيجية مكتوبة بمداد الخبرة: حماية السودان تبدأ من امتلاك الجرأة على اختراق الضباب، وتحويل النصر الميداني إلى استقرارٍ سياسيٍ يحفظ كرامة الدولة وحق المواطن في الأمان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات