السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالاتتباريح الامكنة ...

تباريح الامكنة بدرالدين خاطر لبخة بارا .. الشاهدة المتخمة بتفاصيل التاريخ .(1)

التاريخ كائن لا يرحم .. وكذلك تفعل ذاكرة الكاتب المثخنة بالجراح ، التي تقص سانحات الزمان عن جنب لتوثق شيئا للذكري ، بسرديات عشق ٱسرة مرسومة بتصاوير إلهام وهيام بديعين ينتجان كل ماهو باتع ماتع ، ولربما بعضا من مر ووجيع ، لان ذاكرة الكتابة حين تعصف بها رياح البوح تصبح حيوانا شرس الطباع ، عصي علي كبح الجماح ، وكذا التاريخ العتيق ، حين تثقل كاهله ضخامة الاحداث يصبح إنسانا يبحث له عن انيس .
في العام خمسة عشر والفان ،. 2015 كانت تتلبسنا حالة من يأس بائس مملؤ بإحباط مفرط، وصل بنا إلي حد العزلة في اروقة السياسة ، وذلك لتداعيات ما بعد الإنتخابات التي اعادت الكرة مرة اخري وجاءت بالبشير رئيسا للدولة .

يومها انتشلنا من غيابات جب العزلة ذاك الزعيم الإتحادي القح ، الاستاذ الموسوعي .. العم مبارك حامد فضل الله .. الوزير الاسبق بولاية شمال كردفان .. الذي نظم لنا رحلة سياحية فخيمة ، لزيارة معالم واثار تاريخية بها ، فكانت مدينة بارا هي ملقي عصي التسفار الذي اوجز بيت القصيد بنازله :
تركت هوي سعدي وليلي بمعزل
وعدت مصحوب الديار لاول منزل
فنادتني الأشواق مهلا رويدك
هذه ديار من تهوي فانزل

ونزلنا ببارا، وإلتقينا تحت ظلال لبخة المحكمة ، التي تشمخ بإباء بازخ، شهي الكبرياء ، وهي تستقبلنا بصمت عميق المعاني وقد إحتشدت مشكومة بحضور طاغي بإخضرار انيق لاوراق يانعة ، وقد بدت كانها وجه طفل عبقري الملاح يتفحص اوجه الناس حوله بعينين نضحاحتين بذكاء حاد ، وبراءة وادعة ، تنسرب متغلغة إلي مسامات النفس لتصل إلي مكامن الوجد والنهي ، لتفرض طوق حصار ضاغط بالاسئلة الحيري .
يومها تفتحت بداخلي براحات حبور رحبة ، تمدد الذهن فيها متمرغا علي اوحال خياله ، المشحون برهق صدي ذكريات حالمة لحب صب ، اشعل القلب ناراواشتعل الراس بهذا الشيب ..!
يومها إجتاحتني فيوض الاشواق وتباريح الحنين ونحن نستروح براحات ظل تلكم الشجرة العملاقة التي حركت قريحتي لاكتب شيئا في ادب الرحلات ، او السيرة الغيرية فكانت مسودة .. الطريق إلي بارا .. المقالات التي شرعت في نشر بعضها مسلسلة في حلقات اسفيرية .. لكنني اوقفتها علي حين غرة ، نزولا لرغبة اعزاء تصطفيهم الدواخل ، طلبوا مني إيقاف النشر الإسفيري ، إلي حين طباعتها كتابا .. وكان ممن طلب مني ذلك الطلب استاذنا القدير .. العالم الجليل والاديب النحرير البروفيسور علي عثمان محمد صالح .. مدير معهد الاثار السودانية .. ورئيس اتحاد الكتاب والادباء السودانين السابق ، والذي إستحلفني ان اكتب مواصلة في سيرة المدن و الاماكن السودانية العريقة .
وهانا ذا ابدأ لاكتب نزولا إلي ذاك الطلب .. تباريح الامكنة .. بعد ان شغلتني افعال ساس يسيس فمكثت ردحا من زمان متناسي حتي إدلهمت الحرب .. الملعونة .. وإلتهمت الاخضر واليابس، وقد عاثت فسادا وإفسادا في كل شي، باسلوب ممنهج مقصود ، لم تسلم منه حتي براءة الاثار التاريخية ..!
وجدت نفسي البارحة ، دون شعور مني .. تسوقني خطي الذكريات ، وهي تيمم بي شطر وجهتها مدينة بارا الرائعة .. إنسانا ومكانا .. حيث الشجرة العملاقة لا تزال بشموخها الابي ، المشرئب إلي عنان السماء ، شاهدة علي عصر التاريخ وهي في خدر صمتها البليغ تحتضن إليها مرارات وجراحات بفعل الجنجويد . يستنطقها الناس فلا تنطق ، إلا لمن يعرفون حديثها حين يؤلمونها بحيارات الاسئلة فتحدثهم ، كاني بها هي من عناها الصاغ ابوبكر بقوله :
كلموه ما تكلم إلا يوم الموه تكلم .
تحت ذاك الظل حدثتنا اللبخة .. احاديث انس طارف في لقاءات السمر.. وما احلاها احاديث التاريخ حين يشهد عليها شاهد من اهلها .. وقديما قيل .. حلو الكلام في خشم سيدو ..!
( يتبع بمشيئة الله )

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات