تجاوز الشعب السوداني محطة الصبر الجميل ودخل في مرحلة التساؤل المشروعة والمرة، فبينما يلتف الجميع حول مؤسستهم العسكرية في ملحمة وطنية قل نظيرها، تبرز علامات استفهام كبرى حول الثمن الذي يدفعه المواطن من أمنه ودمه وممتلكاته نتيجة تأخر قرار الحسم النهائي. إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا تجميل هي أن الشارع قد كفر بكل مفردات “التسوية السياسية” التي لم تورثنا سوى الوهن والمحاصصات، وبات المطلب الشعبي الآن يتلخص في عبارة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين: العدالة الناجزة واسترداد الحقوق المنهوبة بقوة القانون وهيبة السلاح.
إن ما يحدث في الغرف المغلقة وتحت الطاولات من محاولات لطبخ صفقات سياسية جديدة هو محض عبث بإرادة أمة قررت أن لا عودة إلى الوراء، فالعدالة التي ينشدها السودانيون ليست حبراً على ورق المفاوضات، بل هي قصاص عادل من كل من استباح الحرمات ونهب البيوت وشرد الأسر. وهنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القيادة العسكرية التي تمتلك التفويض الشعبي الكامل لحسم الفوضى وقطع دابر التمرد، فالدولة التي تحترم نفسها لا تساوم على سيادتها ولا تترك مواطنيها رهائن للفوضى الخلاقة التي يديرها الخارج من بعيد.
وعندما نتساءل بمرارة عن أسباب تأخر الحسم العسكري رغم الجاهزية المعلومة للقوات المسلحة، فإن الأصابع تشير بوضوح نحو “الأجندة الخارجية” التي تحاول رهن القرار الوطني لمصالح إقليمية ودولية. يبدو أن هناك من يخشى انتصاراً سودانياً خالصاً يعيد صياغة المنطقة، فيسعى بشتى السبل لإطالة أمد الصراع عبر ضغوط ديبلوماسية ووعود وهمية بالدعم والحلول السلمية. إن استمرار هذا التباطؤ لا يخدم سوى أعداء الوطن، وتأخير الحسم هو في واقع الأمر استنزاف لكرامة المواطن وقوة الدولة.
إن الرسالة التي يبعث بها السودانيون اليوم إلى قيادة الجيش هي أن السيادة الوطنية لا تُجزأ، وأن الرهان على الإرادة الخارجية هو رهان على سراب. لقد حان الوقت لفك القيود التي تكبل القرار العسكري، فالحسم ليس مجرد عملية عسكرية بل هو إعلان استقلال جديد للسودان من التبعية والوصاية. إن الشعب الذي يقف خلف جيشه في الخنادق ينتظر “ساعة الصفر” التي تنهي فصول المأساة، لتبدأ معركة البناء على أساس العدالة التي لا تظلم أحداً، والقوة التي لا تأبه بأجندات السفارات والغرف المظلمة.
