عوداً على بدء فإنّ حيوية الأمم لا تُقاس بقدرتها على التموضع فحسب، ولكن بعبقريتها في استيلاد الفجر من عتمة الأزمات. واليوم، تقف ولاية الخرطوم أمام منحى تاريخي يتجاوز مفهوم “السكن” إلى آفاق “التوطين المنتج”. فإن العودة الطوعية التي نرتجيها ليست ارتداداً مكانياً لمواطنٍ أرهقه النزوح، إنما هي “هجرة عكسية نحو الإنتاج”، وملحمةٌ وطنية قوامها استنهاض السواعد واستنبات الأمل في حواضن العمل.
إن الرهان على المشروعات الصغيرة هو استراتيجية العبور الكبير وتحقيق المطلوب بأقصر وقت ، نحن بحاجة إلى تحويل التمويل من صيغته “الإقراضية” الجامدة إلى صيغته “التنموية” الفاعلة. لأن تفعيل هذا المسار هو الكفيل بتجفيف منابع العوز، وتحويل “العائدين” من مستهلكين للخدمات إلى منتجين للقيم المضافة، لاسيما في قطاعي الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة، حيث تكمن عبقرية الأرض وطاقة الإنسان.
ومعلوم أن استشراف المستقبل يمر حتماً عبر “جسر التقييم”. فبالنظر إلى تجاربنا السابقة – كمؤسسة التنمية الاجتماعية والمصارف الوطنية – نجد أن النوايا الحسنة لم تكن كافية لكسر أغلال البيروقراطية. والانطلاق نحو الهدف المرجو
إننا ندعو اليوم إلى ثورة في المفاهيم المصرفية والتمويلية يتولاها البنك المركزي فلا معنى لبنوكٍ تُوصد أبوابها بمتطلبات “الضمانات التعجيزية” أمام طموحات الشباب. إن المطلوب هو استنهاض هذه المؤسسات لتكون “شريكاً في المخاطرة” لا “متفرجاً على الفشل”، وعليها أن تبسط إجراءاتها لدرجة تلامس طموح البسيط في سوقه، والمزارع في حقله، والصانع في ورشته.
ولن تستقيم العودة ما لم تُدعم بـ جرعات وعيٍ مكثفة ، تعيد صياغة العقلية الاقتصادية للمواطن وتدمجها في قلبها دون خوف أو وجل ، كما يجب أن يتحول الوعي بالإنتاج الزراعي والصناعي إلى “ثقافة مجتمعية” تتجاوز الطرق التقليدية نحو آفاق الحداثة والتقانة.
وهنا، نضع قطاع الشباب في قلب المعادلة ، فهم الرصيد الاستراتيجي والذخيرة الحية للإعمار. إن تيسير سبل الإنتاج أمامهم هو الضمانة الوحيدة لتقليل حدة الفقر، ورفع مستوى دخل الأفراد، وصولاً إلى “الاكتفاء الذاتي” الذي يحصن المجتمع من عوارض العوز وذل الحاجة.
إن دعوة المواطنين للعودة إلى الخرطوم يجب أن تكون مقرونةً بميثاق إعمار شامل، تلتزم فيه الدولة بالتمكين، والمؤسسات بالتبسيط، والمواطن بالإنتاج. إنها دعوة لاستعادة “روح المدينة” التي لا تنام إلا على صليل المعاول وأزيز المصانع وهدير المحارث.
ليكن شعارنا في هذه المرحلة: نعود لنبني، ونبني لنبقى ، فالخرطوم لا تستحق منا أقل من أن نجعلها واحةً للاكتفاء، ومنارةً للاقتصاد الوطني المتماسك، بسواعدٍ لا تعرف الكلل، وإرادةٍ لا تقبل الانكسار.
