الأحد, مارس 29, 2026
الرئيسيةمقالاتتطوير الأداء الحكومي: من الضرائب والجبايات إلى...

تطوير الأداء الحكومي: من الضرائب والجبايات إلى تعددية مصادر الدخل


كتب: قاسم الظافر

من بين التحديات الجسيمة التي تواجه حكومة الأمل في مرحلة الحرب وعودة المواطنين، شحُّ الإيرادات الضريبية على المستويين الاتحادي والولائي، وكذلك على مستوى المحليات. ويُعدّ ذلك نتيجةً طبيعيةً لواقع الحرب وما خلّفته من تدمير لقطاعات اقتصادية إنتاجية حيوية، كانت تسهم سابقًا (قبل الحرب) بنسب مقدّرة في الرافد الضريبي الذي تعتمد عليه الحكومة في تغطية نفقاتها وتسيير دولاب العمل.

معضلة التشغيل والتحصيل:
تتمثل هذه المعضلة في حاجة الحكومة إلى أكبر قدر ممكن من الإيرادات الضريبية، في وقتٍ لم تستعيد فيه القطاعات الإنتاجية عافيتها بعد، جرّاء الدمار والتخريب الممنهج الذي تعرّضت له. ويأتي ذلك متزامنًا مع دعوة الحكومة لعودة المواطنين، وما يترتب على ذلك من زيادة الإنفاق الحكومي لتلبية حجم النفقات المتزايد.

النتيجة:
تتبنّى الحكومة حلولًا ضعيفة، تتمثل في زيادة الرسوم الضريبية وفرض حزمة من الجبايات التعسفية على كاهل المواطن، الأمر الذي ينعكس سلبًا على قرار عودة المواطنين، ويُصعّب استعادة القطاعات الإنتاجية لعافيتها. ويؤدي ذلك إلى نتائج عكسية، مثل ارتفاع معدلات البطالة، وضعف التحصيل، وتراجع الإيرادات الحكومية.

برنامج المعالجة الإسعافية:
يكمن ضعف استجابة الحكومة في محدودية قدرتها على تبنّي أدوات جديدة وفعّالة، وحزم برامجية تتماشى مع طبيعة التحدي والظرف الاستثنائي. وقد اقترحنا سابقًا إنشاء جسم إداري مركزي لإدارة أزمة شح الدخل الحكومي وتزايد الإنفاق، يتمثل في (مفوضية إعادة الإعمار)، كهيئة تقوم على تقديم معالجة الأزمة الراهنة من خلال أربعة برامج رئيسية:

  • برامج تحديث السياسات العامة:
    تصميم برنامج متكامل لحزم سياسات استثنائية، مرتبطة بإطار زمني محدد ومتفق عليه، بما يساعد على عودة الصناعات والخدمات والقطاعات الإنتاجية الأخرى، وتحفيزها لاستعادة عافيتها تدريجيًا.
    علي سبيل المثال: سياسات الإصلاح الضريبي، وإصلاح هيكل الرواتب، وتحسين سياسات التمويل بمختلف أنواعه، بما يستهدف قطاعات حيوية هامة مثل؛ الزراعة والصناعة والخدمات والتمويل الأصغر.
  • برنامج عودة المواطنين:
    ينبغي أن تتعامل الحكومة مع عودة المواطنين كبرنامج متكامل، يتضمن بروتوكولات صحية، وتشغيل الخدمات الأساسية في المدن والمناطق المستهدفة. على أن تتم العودة بصورة مدروسة وفق أولويات واضحة، تستهدف الفئات المنتجة، وموظفي القطاع الحكومي، والقطاعات الخدمية المساندة.
    كما يجب مراعاة إعادة توزيع السكان والخدمات بصورة مثلى، لمعالجة مشكلة مركزية الخدمات وتكدسها في العاصمة. ويتضمن البرنامج كذلك حزم إعفاءات جمركية وضريبية تتناسب مع كل قطاع، إلى جانب خطط تمويل للموظفين وصغار العاملين، بما يمكنهم من استعادة حياتهم الطبيعية والاستقرار في مناطقهم.
  • برنامج منظومة القطاعات الإنتاجية:
    يشمل هذا البرنامج الاهتمام بثلاثة قطاعات رئيسية:

الخدمات الأساسية: عبر تحديد مشروعات إعادة تأهيل البنية التحتية وفق الأولويات، وتأهيل شركات وطنية وأجنبية للمساهمة في إعادة إعمار قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والجسور، وغيرها من الخدمات الحيوية التي تمثل قاعدة أساسية لاستئناف النشاط الاقتصادي وعودة المواطنين.

القطاع الصناعي: من خلال إعادة التخطيط الشامل للقطاع، وإعادة توزيع المناطق الصناعية بما يسهم في تحسين الخدمات وتقليل تكاليف التشغيل، إلى جانب تطوير تجمعات صناعية متخصصة (مثل مجمعات الصناعات الغذائية والصناعات التحويلية الصغيرة).

القطاع الزراعي: خاصة المشاريع ذات القدرة الاستيعابية العالية للعمالة ورؤوس الأموال، مع تهيئة سياسات تمويل ملائمة، نظرًا لأهمية هذا القطاع في تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي لعدد من السلع الاستراتيجية.

  • برامج تطوير الهياكل التنفيذية:
    تحتاج الدولة، بما في ذلك حكومات الولايات، إلى تطوير مؤسساتها وكوادرها للتعامل مع الأوضاع الاستثنائية، بما يسهم في تحقيق الاستقرار واستعادة عافية الاقتصاد الكلي تدريجيًا.
    وتأتي الأولوية لتطوير أداء المحليات، عبر تحديث أنظمتها الإدارية، وتعزيز آليات الرقابة، وتقليل النفقات، وتحسين الخدمات. كما ينبغي العمل على تنويع وتعدد مصادر الدخل المحلي وزيادتها عبر الزمن، بدلًا من الاعتماد المفرط على الضرائب والجبايات، من خلال منح تراخيص تجارية جديدة، وتنظيم الأسواق، وتحسين جودة الخدمات مقابل عائد مناسب مع طبيعة الخدمات.

خاتمة:
لا يمكن للحكومة، بأي حال، أن تعتمد على أدوات تقليدية أو تحركات عشوائية دون تنسيق بيت مستوياتها ومؤسساتها المختلفة في التعامل مع الأوضاع الراهنة، إذ سيؤدي ذلك حتمًا إلى نتائج عكسية، تتجلى في تزايد تذمر المواطنين، وتحول دعوات العودة إلى دعوات عزوف عنها. كما قد تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من الإضرابات العمالية في قطاعات مختلفة، مما يهدد استقرار دولاب العمل، وسيؤدي إلى تراجع ملحوظ في مستوى الخدمات ومؤشرات الاقتصاد الكلي.

إن كل ما تم تقديمه في هذا المقال ليس سوى ملخص موجز لخطة متكاملة لإعادة الإعمار بعنوان: (الإطار المفاهيمي والهياكل التنفيذية)، والتي تم تسليمها للجهات الرسمية في سبتمبر 2024م.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات