بقلم: حمد يوسف حمد
في ذاكرة الأغنية السودانية، ثمة أصوات لا تمر عابرة، بل تستوطن الوجدان كأنها جزء من تكوينه الأصيل. ومن بين هذه الأصوات، يبرز الفنان ميرغني الحاج كحالة إبداعية استثنائية، يمتلك ناصية الإحساس الذي يحمل تفاصيل “سواح” يتنقل بخفة وثبات في فضاءات صوتية تجمع ما بين صرامة “الأصيل” وانفتاح “الحديث”.
إن المتأمل في تجربة ميرغني، يجد أنه لا يكتفي بمجرد الطرب، بل يمارس نوعاً من الاستكشاف الجمالي داخل النص اللحني. هو فنان يعرف كيف يطوع حباله الصوتية لتصبح جسراً يعبر فوقه المستمع من ضفة الحقيبة والقوالب الكلاسيكية الرصينة، إلى رحابة التوزيع الحديث والأذن المعاصرة، دون أن يفقد الهوية التي تميز الأغنية السودانية في جوهرها.
ما يميز ميرغني الحاج هو ذلك “الإحساس المسافر”؛ فهو لا يغني الكلمات، بل يسكنها، ويمنحها من روحه بصمة تجعل من العمل القديم يبدو وكأنه وُلد اللحظة. يمتلك قدرة فائقة على ضبط إيقاع الشجن، فلا هو ينكسر بالكامل، ولا هو يتجرد من العاطفة، بل يظل محلقاً في مساحة وسطى تتسم بالتهذيب الفني العالي والتمكن الأدائي الذي يندر وجوده.
لقد استطاع ميرغني أن يحجز لنفسه مقعداً في الصفوف الأمامية لذاكرة الغناء السوداني، ليس بالضجيج، بل بهذا التسلل الهادئ والعميق إلى القلوب. هو “السواح” الذي يحمل حقيبة ألحاننا القديمة ليفتحها في هواء العصر الجديد، فينبعث منها عطر الأصالة الذي لا يشيخ.
سيظل صوت ميرغني الحاج علامة فارقة لكل باحث عن “الدهشة” في زمن التكرار، ودليلاً على أن الأغنية السودانية بخير طالما أن هناك من يحرس جمرها بهذا الصدق وهذا الألق.
