في بربر، حين تتسلل شمس الصباح على ضفاف النيل وتنعكس على حجارة الدانقيل شمال المدينة، لا يبدو المشهد مجرد جغرافيا صامتة، بل ذاكرة ممتدة لامرأة حكمت وقررت وشيّدت. هناك، حيث أقامت الملكة المروية أماني ريناس معبدها، تُستعاد اليوم سيرة قيادة أنثوية لم تكن استثناءً في التاريخ، بل جزءًا من طبيعته. وبين ذلك الإرث البعيد وهذا الحاضر المتحرك، تتشكل قصة أخرى تُكتب في مكاتب الإدارة المحلية.
في محلية بربر، لا تبدأ خريطة القرار من اسم واحد، بل من دائرة نسائية واسعة تحيط بمركز الإدارة. المدير المالي، مدير الحسابات، مدير المشتريات، مدير الاستثمار والسياحة، مدير الإعلام، مدير الثقافة والمكتبة العامة، مدير الشؤون الاجتماعية، مدير مراكز إيواء النازحين، مشرف الهلال الأحمر، مدير الزراعة، مدير المستشفى، المدير الطبي، مدير الأراضي، مدير ديوان الزكاة، ومدير تعليم الأساس—جميعها مواقع تتولاها نساء. ويكتمل المشهد بقيادة أكاديمية عبر مديرة جامعة الشيخ البدري في القطاع الخاص.
هذا الحضور لا يمكن قراءته كرمزية عابرة، بل كتحول بنيوي في مفهوم القيادة المحلية. المرأة هنا تدير المال العام، وتنسق الخدمات، وتتعامل مع ملفات النزوح والصحة والزراعة، في توازن لافت بين الصرامة الإدارية والحس المجتمعي.
في زمن يحتفي فيه العالم باليوم العالمي للمرأة وعيد الأم، تبدو بربر وكأنها تقدم نموذجًا مختلفًا: القيادة ليست امتيازًا، بل كفاءة. وبين أماني ريناس الأمس ونساء بربر اليوم، يستمر الخيط ذاته—أن تكون المرأة في موقع القرار، لا على هامشه.
