مهدي داود الخليفة
في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز بعدها القانوني المباشر، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية .عزمها تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم “إرهابي عالمي مصنَّف بشكل خاص”، مع التوجه لإدراجها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية ابتداءً من منتصف مارس 2026. هذا القرار لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء إداري ضمن سياسات مكافحة الإرهاب الأمريكية، بل هو تطور يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بمستقبل الحرب في السودان وبشكل النظام السياسي الذي قد يتشكل بعد توقف القتال.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، تعاملت القوى الدولية مع الصراع بوصفه نزاعاً على السلطة بين قوتين عسكريتين. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن بعض العواصم الغربية بدأت تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة، ليس فقط باعتبارها صراعاً عسكرياً، بل أيضاً بوصفها ساحة تتداخل فيها شبكات سياسية وأيديولوجية واقتصادية تشكلت خلال عقود حكم النظام السابق بقيادة عمر حسن البشير. في هذا السياق يأتي القرار الأمريكي ليبعث برسالة واضحة مفادها أن واشنطن لا تنوي السماح بعودة الإسلاميين إلى السلطة عبر بوابة الحرب أو عبر إعادة إنتاج نفوذهم داخل مؤسسات الدولة.
فمنذ انقلاب عام 1989 الذي قاده العميد عمر البشير آنذاك و الذي دبره تنظيم الاخوان المسلمين و الذي سمي نفسه عقب انتفاضة أبريل 1985 الجبهة الاسلامية القوميةً برئاسة المفكر الإسلامي الدكتور حسن الترابي، تشكلت شبكة واسعة من النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي للحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة السودانية. هذه الشبكة لم تختفِ بالكامل بعد سقوط النظام في عام 2019، بل أعادت ترتيب نفسها داخل بعض الأجهزة الأمنية وقطاعات من الاقتصاد وشبكات التمويل السياسي. ولذلك يمكن فهم القرار الأمريكي باعتباره محاولة لتفكيك هذه البنية التي ما زالت تؤثر في المشهد السياسي والعسكري، خاصة في ظل الحرب التي أعادت خلط الأوراق داخل الدولة.
الجيش السوداني بقيادة الفريق البرهان يجد نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن جهة يعتمد الجيش على تحالفات داخلية مع قوى سياسية واجتماعية متعددة، من بينها بعض التيارات الإسلامية التي ترى في الحرب معركة وجودية. ومن جهة أخرى يحتاج الجيش إلى اعتراف دولي ودعم سياسي واقتصادي لإدارة الدولة وإنهاء الحرب. وإذا اعتبرت واشنطن أن الإسلاميين يشكلون جزءاً مؤثراً من منظومة القرار داخل المؤسسة العسكرية، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة الضغوط السياسية على القيادة العسكرية، وتوسيع دائرة العقوبات، وتقييد فرص التطبيع الدولي مع أي سلطة يُنظر إليها باعتبارها خاضعة لنفوذ هذه التيارات.
في المقابل قد يسعى قائد قوات الدعم السريع إلى استثمار هذا التطور سياسياً من خلال تقديم نفسه أمام المجتمع الدولي كقوة تقاتل الإسلاميين. غير أن هذه الرواية تواجه إشكالية أساسية، إذ إن قوات الدعم السريع نفسها تواجه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب خلال الصراع. ولهذا فمن الصعب أن يتحول هذا القرار إلى مكسب سياسي حقيقي لأي طرف من أطراف الحرب، بل يبدو أقرب إلى أداة ضغط إضافية تستخدمها واشنطن في مواجهة جميع الفاعلين في الصراع السوداني.
أحد أخطر أبعاد القرار الأمريكي يتمثل في أنه يفتح الباب أمام فرض عقوبات على أفراد وشركات يشتبه في ارتباطها بالحركة الإسلامية أو تمويلها. وبموجب قوانين مكافحة الإرهاب الأمريكية يمكن أن تشمل هذه العقوبات تجميد الأصول المالية، وحظر السفر، وملاحقة الشبكات المالية المرتبطة بالتنظيم داخل السودان وخارجه. وقد تطال هذه الإجراءات شخصيات سياسية أو اقتصادية نافذة إذا ثبت ارتباطها بشبكات التمويل أو الدعم.
وفي هذا السياق نقلت وسائل إعلام عن السيد مسعود بولس مستشار الرئيس للشؤن العربية و الأفريقية تأكيده أن تصنيف جماعة الإخوان في السودان يعكس التزام الولايات المتحدة بمكافحة الإرهاب ومواجهة الجماعات التي تهدد الاستقرار في المنطقة. وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار جهود أوسع لدعم الاستقرار في السودان الذي يمر بمرحلة شديدة التعقيد نتيجة الصراع المستمر، مؤكداً أن التقارير الواردة من داخل البلاد تتحدث عن انتهاكات جسيمة وفظائع ارتكبها طرفا النزاع، وأن الشعب السوداني دفع ثمناً باهظاً من الضحايا المدنيين والنزوح والدمار الواسع للبنية التحتية.
كما أشارت تصريحات صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية U.S. Department of State إلى أن بعض المقاتلين المرتبطين بالحركة الإسلامية في السودان تلقوا تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الايراني Islamic Revolutionary Guard Corps وأن الولايات المتحدة ستستخدم كل الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع الإخوان من الموارد التي تمكّنهم من الانخراط في الإرهاب أو دعمه. وإذا ثبتت هذه المزاعم فإن الصراع السوداني قد يدخل مرحلة جديدة من التدويل، حيث يصبح جزءاً من التنافس الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط.
لكن رغم أهمية هذه التطورات، فإن الأزمة السودانية أعمق من أن تُختزل في تصنيف تنظيم سياسي أو فرض عقوبات على مجموعة من الأفراد. فالحرب الدائرة اليوم هي نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فشلت النخب السودانية في معالجتها على مدى عقود. ومن دون مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أسس جديدة، فإن أي قرارات دولية – مهما كانت مؤثرة – لن تكون كافية لإنهاء المأساة السودانية. وفي حالة السودان، العامل الحاسم قد يكون قدرة القوى المدنية والسياسية على إعادة طرح مشروع وطني جامع يخرج الصراع من منطق السلاح إلى منطق الدولة.
إن تصنيف الإخوان المسلمين في السودان قد يمثل خطوة مهمة في إعادة رسم ملامح التوازنات السياسية في البلاد، لكنه لا يشكل نهاية الصراع. فمستقبل السودان لن يتحدد في واشنطن أو في أي عاصمة أخرى، بل سيظل رهناً بقدرة السودانيين أنفسهم على استعادة السياسة من قبضة السلاح وبناء دولة تقوم على التوافق الوطني لا على صراعات القوة. وفي غياب هذا المشروع الوطني، قد يظل السودان ساحة مفتوحة لتجاذبات الداخل والخارج، بينما يستمر الشعب في دفع كلفة حرب لم يخترها.
