الجمعة, مارس 13, 2026
الرئيسيةمقالاتالألم كشرارة للإبداع: كيف تصنع المعاناة نهضة

الألم كشرارة للإبداع: كيف تصنع المعاناة نهضة


د. الهادي عبدالله أبوضفائر

في مسيرة الأمم لحظات نادرة يرتقي فيها السؤال من ضيق البحث عن مخرجٍ آنيّ، إلى رحابة التأمّل في معنى الوجود وغاية المسير. ووطننا اليوم يقف عند هذه العتبة الحاسمة، لا لأنه أشدّ الأوطان فقراً، بل لأنه من أغناها بالموارد الطبيعية والبشرية، ومع ذلك يرزح تحت مفارقة مؤلمة. ثراء في الإمكانات، وشح في المنجزات.

أرضٌ شاسعة، تمطرها السماء، وتجري تحت الأنهار، وتختزن في أعماقها مياهٌ تبشّر بمستقبلٍ زراعيٍ واعد، ويقف إلى جانبها إنسانٌ أثبت في أصقاع العالم قدرته على النجاح والانضباط والإبداع. غير أن المفارقة المؤلمة تظهر حين تجتمع هذه العناصر داخل الوطن، إذ تتعطل الطاقات، وتتبدد الفرص، ويتحوّل الأمل إلى سؤالٍ ملحّ يتردد في الأذهان. لماذا ينجح السوداني خارج وطنه، ويتعثر داخله؟.

ليس الجواب كامناً في الإنسان وحده، ولا في وفرة الموارد، بل في غياب الفكرة الكبرى التي تُحسن تنظيم العلاقة بينهما. فالأمم لا تنهض بوفرة الخيرات، بل بالعقل الذي يحوّلها إلى قوةٍ حضارية. لقد ظل الوطن، في تاريخه الحديث، أسير نماذج تقليدية، مركزيةٍ مثقلة، وبيروقراطيةٍ مترهلة، واقتصادٍ يسير بردّ الفعل لا ببصيرة المستقبل. ولهذا فإن الخروج من الأزمة لا يتحقق بإصلاحاتٍ متدرجة، بل يقتضي إعادة تأسيس عميقة لفكرة الدولة والتنمية معاً.

في لحظاتٌ نادرة تنفرج فيها أبواب الاحتمال، وتمنح الأمم التي تحسن القراءة فرصة إعادة كتابة مصيرها. وإن كان طموحنا أن يتحول الوطن، في زمنٍ معقول، إلى قوةٍ اقتصاديةٍ إقليمية، فإن البداية لا تُصاغ في ضجيج السياسة، بل في إعادة تعريف المشروع الوطني على أسسٍ من الوعي والرؤية والعمل.

مشروعٌ ينهض أولاً بالتعليم بوصفه رأس المال الحقيقي للأمم، فيتحرر من صورة الدولة المنتظرة للعون، ويتحول إلى منصةٍ عالميةٍ للمعرفة والتقنية، وإلى مركزٍ للإنتاج الغذائي والزراعي، وحاضنةٍ للصناعة والتكنولوجيا الرقمية. فالعالم يتجه إلى عصرٍ تتعاظم فيه أزمات الغذاء والمياه، وحينها لن تكون الغلبة لمن يملك الموارد فحسب، بل لمن يملك العلم الذي يهذبها، والتعليم الذي يحسن استثمارها.

لم تعد الزراعة في عالم اليوم محراثاً في حقلٍ فحسب، بل علماً معقّداً تقوده المعرفة. ومن ثمّ فإن هذا التحوّل المنشود لا تصنعه الزراعة التقليدية ولا المشروعات الموروثة، بل ثورةٌ زراعية صناعية حديثة تتكئ على المعرفة العلمية، حيث تُدار الحقول بالأقمار الصناعية، وتُراقب التربة بالذكاء الاصطناعي، وتُصنع المنتجات بذكاء الخوارزميات، وتغدو الزراعة صناعةً متقدمة تضاهي في دقتها وتعقيدها صناعات الطيران والطاقة.

ليست الارض وحدها من تصنع المعجزات، فالمعجزة الحقيقية يولّدها الإنسان حين يعمل داخل نظامٍ عادل وفعّال. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذجٍ اقتصادي جديد يمكن أن يُسمّى ( مدن النهضة الإنتاجية). ليست مجرد تجمعاتٍ سكنية، بل مناطق اقتصادية ذات استقلالٍ إداري وقانوني، تُدار بعقلية المؤسسات لا بروح البيروقراطية الموروثة. تتخصص كل مدينة في قطاعٍ استراتيجي. مدينة للغذاء، وأخرى للطاقة الشمسية، وثالثة للصناعات الزراعية، ورابعة للتكنولوجيا والخدمات الرقمية. وبهذا تنتقل التنمية من فكرةٍ تُكتب في الخطط إلى قوى اقتصادية حية.

ليست الهجرة قدراً يُثقل كاهل الأوطان، بل قد تكون باباً واسعاً لفرصٍ غير مسبوقة. فالسودانيون في الخارج يشكّلون شبكةً ثرية من الخبرات والمهارات والعلاقات الاقتصادية. وبدل انتظار عودتهم الكاملة، يمكن بناء اقتصادٍ وطني عابرٍ للحدود يربطهم مباشرة بمشاريع التنمية في الداخل. عندها يصبح المهندس في كندا شريكاً في مشاريع الطاقة بدارفور، والطبيب في الخليج مساهماً في تطوير النظام الصحي في الشرق، والصيدلي في أوروبا جزءاً من صناعة الدواء في كردفان، والباحث مشاركاً في مراكز الابتكار الزراعي بالجزيرة، فيما يرفد الخبراء في أمريكا قطاع التعدين في الشمال. وهكذا يتحوّل الشتات السوداني إلى ما يشبه وزارة خارجية اقتصادية غير رسمية، تمدّ نهضة الوطن بالمعرفة والعلاقات والفرص.

لا تُثمر الخطط الكبرى ما لم تسبقها يقظةٌ أخلاقية في ضمير الإدارة العامة. فالتاريخ يعلّمنا أن أعظم الثروات قد تذبل حين تغيب الشفافية وتضعف الثقة. لذلك يحتاج الوطن إلى ثورةٍ هادئة في معنى الخدمة العامة، تصبح فيها الكفاءة معيار التقدّم، والنزاهة شرط الاستمرار في الوظيفة، ويغدو النجاح المؤسسي مصدر فخرٍ جماعي لا ساحةً للحسد والصراع. وعندئذ فقط تتحول القيم الدينية والاجتماعية التي يعتز بها المجتمع إلى طاقةٍ إنتاجية حيّة تسري في مؤسسات الدولة وتدفعها نحو البناء والازدهار.

ليس عسيراً على الأمم الجادّة أن تعيد صياغة علاقتها بذاتها. فكل نهضةٍ كبرى تقف وراءها لحظة وعيٍ تُولد منها صيغةٌ جديدة للعلاقة بين المواطن والدولة. عقدٌ يقوم على الشراكة لا الاتكال، توفّر فيه الدولة النظام والفرص، ويقدّم المجتمع العمل والإبداع، ويتقدّم القطاع الخاص لقيادة الاستثمار والابتكار. وعندما تتوازن هذه القوى الثلاث، يغدو الاقتصاد كائناً حيّاً نابضاً بالحركة، لا جهازاً إدارياً جامداً يدور في فراغ.

حين حين تتجسد إرادة التغيير، يبدأ المستقبل في رسم ملامحه، وتتراجع ظلال الماضي أمام أفقٍ أرحب. تخيّل وطناً يصدّر غذاءه إلى العالم، ومدناً حديثة تنهض على الطاقة الشمسية والزراعة الذكية والصناعات التحويلية، وجامعاتٍ بحثية تستقطب العقول، وشبكةً من الكفاءات الوطنية تمتد عبر القارات وتبقى موصولة بوطنها الأم. عندها لن يكون السؤال. لماذا ينجح السوداني خارج وطنه؟ بل يصبح السؤال الأجدر. كيف أصبح السودان أرضاً يزدهر فيها النجاح وتولد فيها الأفكار.

لا تُشيَّد نهضةُ الأمم بالسراب، بل على وعيٍ جمعيٍّ يدرك أن المستقبل ليس قدراً مفروضاً، بل مشروعاً تصوغه الإرادة الواعية والعمل المنظم. ورغم ما يمرّ به الوطن من أزمات، فإنه ما يزال يملك من المقومات ما يؤهله لاغتنام لحظته التاريخية. فإذا التقت الإرادة بالفكرة، وتعانق التخطيط مع الشجاعة، فقد يشهد العالم في العقود المقبلة، قصة وطنٍ كاد أن يتعثر، ثم تعلّم كيف يحوّل ثرواته إلى حضارةٍ حيّة نابضة بالحياة.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات