كتب/ خالد الضبياني
ليست الغربة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، ولا هي مجرد تجربة عمل أو دراسة خارج حدود الوطن. الغربة في حقيقتها حالة شعورية معقدة، يعيشها الإنسان بين واقع يفرض عليه الاستمرار، وحنين دائم يشده إلى مكان اسمه الوطن. وبين الغربة والوطن تبقى هناك مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس بالشوق.
المغترب قد ينجح في عمله، وقد يحقق ما كان يحلم به من استقرار مادي أو مهني، لكنه في لحظات معينة يشعر أن شيئاً ما ينقصه. ذلك الشيء قد يكون جلسة عائلية بسيطة، أو ضحكة صديق قديم، أو حتى تفاصيل يومية صغيرة كان يظنها عادية في الوطن. في الغربة تتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات كبيرة، ويصبح الحنين جزءاً من يوميات الحياة.
ولأن الغربة ليست مجرد مكان، فإن الوطن أيضاً ليس مجرد أرض. الوطن هو الناس الذين نحبهم، والذكريات التي صنعت طفولتنا، والأصوات والروائح والملامح التي تشكل هويتنا. لذلك يظل المغترب حاملاً وطنه في قلبه أينما ذهب، وكأن الوطن يسافر معه في ذاكرته ووجدانه.
ومع مرور السنوات، يتعلم المغترب كيف يصنع توازناً بين واقعه الجديد وحنينه القديم. يتأقلم مع مجتمع جديد، ويكوّن صداقات وعلاقات، لكنه لا يتخلى عن تلك المساحة في قلبه التي يملؤها الشوق للوطن. إنها مساحة تبقى دائماً مفتوحة، مهما طال الزمن أو تغيرت الظروف.
الغربة قد تعلم الإنسان الكثير؛ الصبر، والاعتماد على النفس، والقدرة على التكيف مع التحديات. لكنها في الوقت نفسه تعمّق إحساسه بقيمة الوطن، وتجعله يدرك أن الانتماء ليس أمراً عابراً، بل هو جزء من تكوين الإنسان نفسه.
لهذا تبقى المسافة بين الغربة والوطن مسافة من الشوق، يعيشها المغترب كل يوم. قد تقصر أحياناً مع مكالمة هاتفية أو زيارة عابرة، وقد تطول مع مرور الوقت، لكنها لا تختفي أبداً. فالوطن، مهما ابتعدنا عنه، يظل أقرب إلينا مما نظن، لأنه يسكن القلب قبل المكان.
