سبعة أشهر ونصف هي المدة التي قضتها د. لمياء عبد الغفار وزيرة لشؤون مجلس وزراء حكومة الأمل ثم أُعفيت ليلة أمس ، وفي لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول، تصبح القرارات السياسية رسائل موجهة إلى الداخل والخارج أكثر منًكونها قرارات إدارية، وإشارات تعكس طبيعة القيادة، وقدرتها على إدارة المرحلة بحكمة وشفافية. ومن هذا المنطلق جاءت القرارات الأخيرة التي أصدرها كامل إدريس رئيس وزراء ما بات يُعرف بـ”حكومة الأمل”، بإعفاء وزيرة مجلس الوزراء وعدد من مستشاري مكتبه، إلى جانب حل مجالس إدارات عدد من المؤسسات والهيئات الحكومية.
هذه القرارات، في ظاهرها، تبدو خطوة تصحيحية تعكس رغبة في إعادة ترتيب البيت التنفيذي، ومراجعة أداء بعض المؤسسات التي شاب عملها كثير من الجدل والتعثر. غير أن القرارات – مهما بلغت وجاهتها – تظل ناقصة الأثر إن لم تُصاحبها الشفافية الكافية التي توضح للرأي العام أسبابها وخلفياتها، خصوصاً في بلد يعيش مرحلة استثنائية تتطلب قدراً عالياً من المصارحة والمسؤولية السياسية.
فإعفاء وزيرة مجلس الوزراء وعدد من المستشارين ليس قراراً إجرائياً عادياً، لأنه يحمل دلالات سياسية واضحة وبيّنة ، إذ إن هذا الموقع تحديداً يمثل قلب الجهاز التنفيذي، ومحور التنسيق بين مؤسسات الدولة، ما يجعل أي خلل في أدائه ينعكس مباشرة على كفاءة الحكومة في تنفيذ قراراتها وسياساتها. وقد ترددت في الأوساط السياسية والإدارية إشارات إلى ضعف واضح في الأداء، وتعثر في تنفيذ القرارات، فضلاً عن إنشغال بمهام جانبية لا تندرج ضمن صميم الدور المطلوب لا سيما في هذه المرحلة الدقيقة.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن اللجنة التي قادها إبراهيم جابر كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الوزيرة ومحيط القرار، بعد أن كشفت تقاريرها عن أوجه تجاوزات إدارية وتنظيمية لم يعد من الممكن تجاوزها أو التغاضي عنها. غير أن غياب التوضيح الرسمي يترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات والتكهنات، وهي مساحة لا ينبغي للحكومات الرشيدة أن تتركها فارغة، لأن الفراغ في السياسة غالباً ما يملؤه الشك.
أما حل مجالس إدارات عدد من المؤسسات والهيئات الحكومية، فيبدو أنه يحمل أبعاداً اقتصادية وإدارية مهمة تتصل بضرورة إعادة ضبط الحوكمة داخل تلك المؤسسات، خصوصاً في ظل التحديات المالية والاقتصادية التي تواجهها الدولة. فالكثير من هذه المجالس ظل لسنوات يعمل دون تقييم حقيقي للأداء أو مراجعة لجدوى السياسات التي يعتمدها، ما جعل إصلاحها مطلباً ملحاً في سياق أي مشروع لإعادة بناء الدولة.
غير أن أكثر ما أثار تساؤلات الرأي العام لم يكن القرارات نفسها، بل التوقيت والسلوك الذي أعقبها. فبعد إصدار هذه القرارات مباشرة، غادر رئيس الوزراء إلى أداء العمرة، ثم إلى قضاء عطلة عيد الفطر في مدينة جنيف وسط أسرته. وهو تصرف، وإن كان مفهوماً من زاوية إنسانية وشخصية، إلا أنه يبدو متناقضاً مع الخطاب الذي يدعو فيه كاملاً المسؤولين والمواطنين إلى العودة، ويحث مؤسسات الدولة على الاستقرار والعمل من الداخل.
ففي لحظات بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، لا يكفي أن تُقال الكلمات، بل ينبغي أن تُترجم إلى سلوك يعكس روح المسؤولية والقدرة على القيادة من قلب الميدان. إذ إن الشعوب التي تمر بظروف استثنائية تنظر إلى قادتها لا بوصفهم مسؤولين إداريين فقط ، إنما رموزاً للحضور والثبات في لحظات الاختبار.
ومع ذلك، فإن هذه القرارات – رغم ما يحيط بها من تساؤلات – قد تمثل بداية لمراجعة أوسع داخل الجهاز التنفيذي. فالمشهد الحكومي ما يزال يضم عدداً من الوزراء الذين لم ينجحوا في الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه البلاد، وهي حقيقة لم تعد خافية على الرأي العام أو بعيدة عن فطنة المواطن السوداني الذي بات أكثر قدرة على قراءة الأداء السياسي وتمييز مواطن الخلل.
إن المرحلة الحالية لا تحتمل أنصاف الحلول ولا القرارات الرمزية. المطلوب هو نهج إصلاحي واضح المعالم، يقوم على مبدأ المساءلة، ويضع الكفاءة معياراً وحيداً للبقاء في مواقع المسؤولية. كما أن توضيح أسباب الإعفاءات والقرارات المصاحبة لها ليس نقلاً سياساً ، بقدر ما هو ضرورة لبناء الثقة وترسيخ ثقافة الحكم الرشيد.
فالدول لا تُبنى بالقرارات المفاجئة وحدها، ولكن بالوضوح الذي يحيط بها، وبالشجاعة التي تجعل السلطة قادرة على تفسير أفعالها أمام شعبها. وفي زمن تتكاثر فيه التحديات، يبقى الصدق مع الرأي العام هو رأس مال أي حكومة تسعى حقاً لأن تكون حكومة أمل، لا مجرد عنوان جميل لمرحلة معقدة.
