أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، تلك الخطوة التي أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية إدراج جماعة الإخوان المسلمون في السودان ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية، وهو إعلان شمل كذلك فيلق البراء بن مالك، مع إيراد جملة من الاتهامات المرتبطة بما اعتبرته واشنطن أعمالاً تدخل في إطار الإرهاب.
هذا القرار، بما يحمله من دلالات سياسية وقانونية، يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول سياقاته وتوقيته، كما يطرح إشكاليات تتجاوز حدود التصنيف ذاته لتلامس طبيعة المشهد السوداني وتعقيداته في ظل الحرب الدائرة.
وأول ما يلفت النظر في هذا الإعلان هو المفارقة التي لا يمكن إغفالها ، فبينما تسارع الخارجية الأمريكية إلى توجيه اتهامات لفصيل يقاتل ضمن سياق الحرب الجارية، تبدو في المقابل أقل حدة تجاه الانتهاكات الواسعة التي ارتبطت باسم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم دقلو، وهي انتهاكات وثقتها تقارير إعلامية ومنظمات حقوقية عديدة، وإن كثيراً منها ظهر في تسجيلات نشرها منسوبو المليشيا أنفسهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كان معيار التصنيف هو حجم الانتهاكات أو طبيعة الممارسات المسلحة، فمن الأجدر بهذا التصنيف؟
ومن زاوية أخرى، فإن الحديث عن الإخوان المسلمين في السودان بوصفهم تنظيماً إرهابياً يتجاهل واقعاً سياسياً قائماً ، إذ إن التيار الإسلامي في السودان انتقل منذ سنوات إلى العمل عبر مظلة سياسية معلنة استوفت شروط الممارسة الحزبية، وخاضت غمار العمل العام ضمن الإطار السياسي المعروف في البلاد. وهذا يضع القرار في مواجهة إشكالية التكييف السياسي والقانوني، لا سيما في ظل تعددية التنظيمات والتيارات داخل المشهد الإسلامي السوداني.
أما التوقيت، فهو ربما البعد الأكثر إثارة للتأمل. فالقرار جاء في لحظة تشهد فيها الجبهات العسكرية تقدماً ملحوظاً لصالح القوات المسلحة السودانية في حربها ضد تمرد قوات الدعم السريع. وفي مثل هذه اللحظات الحساسة يصبح من الطبيعي أن تُقرأ الخطوات الدولية لا بمعزل عن موازين الميدان، وإنما بوصفها جزءاً من لعبة الضغط السياسي ومحاولات التأثير في مسار الحسم العسكري..
ومن هنا يرى بعض المراقبين أن القرار قد يحمل في طياته رسائل سياسية تتجاوز البعد القانوني المعلن، خصوصاً في ظل تشابك المصالح الإقليمية وتداخل أدوار دويلة الشر في الملف السوداني.
غير أن ما قد يغيب عن صانع القرار في واشنطن هو أن الإسلاميين السودانيين خاضوا تجارب طويلة مع العقوبات والضغوط الدولية، منذ سنوات حكمهم للبلاد، ولم تكن مثل هذه التصنيفات جديدة عليهم. وإن كثيراً من تلك الإجراءات، على مر السنوات، لم تنجح في إقصائهم من المشهد السياسي أو الاجتماعي السوداني.
أما فيلق البراء بن مالك، الذي ورد اسمه في القرار، فيُنظر إليه داخل السودان باعتباره تشكيلًا أهلياً تطوعياً يقاتل إلى جانب القوات المسلحة في إطار الحرب الدائرة، ويضم في صفوفه متطوعين من خلفيات اجتماعية ودينية متعددة. ولهذا فإن إدراجه ضمن قوائم الإرهاب قد يفتح باباً واسعاً للجدل القانوني والسياسي حول طبيعة هذا التشكيل وحدود دوره.
في المحصلة، يبقى قرار الخارجية الأمريكية خطوة ذات أبعاد تتجاوز ظاهرها القانوني إلى فضاء السياسة الدولية وتوازناتها. والسؤال الحقيقي الذي يظل مطروحاً: هل يسهم مثل هذا القرار في إطفاء نار الحرب في السودان، أم أنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد بالغ الحساسية؟
ذلك ما ستكشفه الأيام، في بلد لم تعد الحرب فيه معركة عسكرية مجردة ، لكنها ساحة تتقاطع فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية على حد سواء.
