الثلاثاء, مارس 10, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة جهد الآخرين مجد لغيرهم نايلة علي محمد الخليفة

يُحكى أن في إحدى البيوت فتاةً طيبة مسكينة ، لم يكن ذنبها سوى أنها الأضعف صوتًا والأكثر صبرًا ، كانت حقوقها تُهضم أمام عينيها ، يتقاسمها إخوتها بقوة حضورهم ، لا بعدل الاستحقاق ، ومع مرور الوقت ، لم تعد المظلمة تقف عند حدود الإخوة ، بل امتدت لتشمل الأب والأم ، حتى صار من يفترض أن يكونوا سندها أول من يسلبها حقها بصمتهم الدائم.

في كل مرة تتهيأ الأسرة للخروج ، لنزهةٍ أو زيارة ، كانت هي تُترك خلفهم ، لا لراحةٍ تنالها ، بل لقائمة طويلة من الأعمال التي تنتظرها تطبخ، وتنظف وتغسل الملابس الأواني ، وتعيد ترتيب البيت كأنها خادمة لا ابنة.

يخرجون بفضل جهدها ، وتُبنى راحتهم على تعبها ، بينما تبقى هي حبيسة الجدران ، تؤدي دورًا لم تختره ، وتتحمل حياةً لم تُنصف فيها ، كانت تراقبهم من خلف نافذة صمتها ، لا تشكو ، لكنها تتآكل من الداخل ، فليس أقسى من أن يُهضم حقك على يد من يفترض أنهم أول من يدافع عنه ، ولا أمرّ من أن تُستغل طيبتك حتى تُمحى ملامحك ، ومع ذلك ظل في قلبها شيءٌ يشبه الأمل… أن يأتي يومٌ تُرد فيه المظالم ، ويُعاد فيه تعريف العدالة داخل ذلك البيت.

هذه الحكاية ليست مجرد قصة بيتٍ صغير ، بل صورة مكبّرة لواقعٍ يتكرر في كثير من المؤسسات ، هناك دائمًا من يعمل في الظل ، يحمل العبء كاملًا ، ويجتهد دون ضجيج ، ثم يأتي من يجيدون فن الظهور ليقطفوا الثمار ، ويتصدروا المشهد كأن الجهد جهدهم ، والإنجاز إنجازهم ، يتقنون لغة الكاميرات ، ويبرعون في صناعة الانطباع ، بينما الحقيقة تقف جانبًا ، بلا صوت ،
المشكلة لا تكمن فقط في من يسرقون الجهد ، بل في بيئةٍ تسمح بذلك ، وتكافئه أحيانا ، حين يصبح التمظهر قيمة ، ويُختزل النجاح في الصورة لا في المضمون ، فإننا نعيد إنتاج الظلم ذاته الذي عاشته تلك الفتاة ، لكن في سياقٍ أوسع وأكثر تعقيدًا ، تُهمَّش الكفاءات ، وتُستهلك الطاقات ، ويُصاب المجتهدون بالإحباط ، لأن معادلة التقدير مختلة من أساسها ، ومع ذلك تبقى الحقيقة عصيّة على الطمس الكامل ، فكما أن التعب لا يضيع ، فإنه لا يضيع في ذاكرة الواقع أيضًا ، قد يتأخر الاعتراف ، وقد يعلو صوت الزيف لبعض الوقت ، لكن لحظة الانكشاف آتية لا محالة ، حينها فقط ، يُعاد ترتيب المشهد ، ويُعرف من صنع ومن ادّعى ، ومن عمل ومن تزيّن بعمل غيره.

ما تحتاجه مؤسساتنا ليس فقط لوائح وأنظمة ، بل ضميرٌ حيّ يعيد الاعتبار لقيمة العمل الصامت ، ويضع كلّ إنجازٍ في موضعه الصحيح ، فالعدالة ليست شعارًا يُرفع ، بل ممارسة يومية تُنصف من يستحق ، وتحمي الجهد من أن يُسرق ، وتمنح لكلّ صاحب حقٍ حقه ، قبل أن يتحول الصمت إلى قهر ، والاجتهاد إلى خيبة… لنا عودة.

https://www.facebook.com/share/1AghrUC2ji

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات