الإثنين, مارس 9, 2026
الرئيسيةمقالاتهندسة الزيف: عندما تصطدم "أبواق السلطة" بصخرة الواقع

هندسة الزيف: عندما تصطدم “أبواق السلطة” بصخرة الواقع


بقلم: حمد يوسف حمد
في مختبرات السياسة المأزومة، تُمارس “أبواق السلطة” عملية غسيل مخ جماعي تُسمى “هندسة الواقع”، وهي محاولة يائسة لإعادة صياغة الفشل وتغليفه في ورق هدايا براق، وتصوير العجز الحكومي كأنه خطوات مدروسة نحو مستقبل واعد. لكن التاريخ يعلمنا أن الحقيقة، مهما طال حجبها بغبار التزييف، تمتلك قدرة فطرية على النفاذ من شقوق الجدران المتصدعة.
تعتمد هذه الأبواق على استراتيجية الإلهاء بالمستقبل للهروب من استحقاقات الحاضر، وبينما يغرق المواطن في تفاصيل حياته اليومية المعقدة، تخرج الماكينة الإعلامية لتبشر بمشروعات هلامية لا تلمس واقع الناس، بل تستهلك مواردهم وتزيد من ديون أجيالهم. هذه المشروعات التي تُصمم كديكورات سينمائية سرعان ما تنكشف عوراتها عند أول اختبار حقيقي للخدمات أو الاقتصاد، حيث يتجلى تزييف المؤشرات وتحويل الأرقام الصفرية إلى إنجازات وهمية، مع الاعتماد الدائم على هندسة التبرير وإلقاء لائمة الفشل على العوامل الخارجية لتخدير الوعي العام.
لقد دفع المواطن ضريبة باهظة من صبره وقوته اليومي نتيجة لهذه السياسات التي يمكن وصفها بـ “الخوازيق” السياسية و”المواسير” الإدارية، وهي أخطاء كارثية في التخطيط والتنفيذ أدت إلى استنزاف مقدرات الدولة في مسارات مسدودة، فلم يعد المواطن يملك ترف الصبر على وعود تُبنى فوق رمال متحركة، فالحقيقة تخرج اليوم من أفواه الجياع ومن طوابير البحث عن الضروريات.
وعلى القيادة، وتحديداً الفريق أول البرهان، إدراك أن الواقع لا يُجمل بالكلمات، وأن “أبواق السلطة” التي تصفق لكل قرار هي أول من سيقفز من السفينة حين تغرق. إن العجز الذي تعيشه الدولة اليوم، والارتباك الواضح في أداء الحكومة الحالية، يجعل من استمرارها عبئاً لا يُطاق، إذ أن حكومة “كامل إدريس” والمحيطين بها من المروجين للوهم قد استنفدوا كل فرص البقاء، والواقع اليوم يفرض معادلة واحدة وهي الرحيل غير المأسوف عليه لهذه الحكومة وتلك الأبواق.
إن الحقيقة تفرض نفسها الآن من خلال عجز الدولة الواضح ومسؤوليها الذين غرقوا في أحلام اليقظة، والمطلوب الآن هو الاعتراف بالفشل كأول خطوة لتصحيح المسار، وتفكيك جوقة التزييف التي تعزل المسؤول عن نبض الشارع، تمهيداً لتشكيل إدارة أزمات حقيقية قادرة على اجتراح حلول واقعية بعيداً عن البروباغندا، فالدول لا تُبنى بالأماني ولا بالضجيج الإعلامي، بل بالعمل والمكاشفة والمسؤولية الوطنية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات