بقلم/ د. إسماعيل الحكيم
لقد صدر في توقيتٍ بالغ الحساسية، وقبل أيامٍ معدودات من انطلاق امتحانات شهادتي الابتدائي والمتوسطة، قرار وزارة التربية والتعليم القاضي بحصر الجلوس لامتحان الشهادة الابتدائية على التلاميذ من مواليد العام 2014م فما بعده، وللمتوسطة على مواليد العام 2011م فما بعده. قرارٌ في ظاهره تنظيميٌّ، يستند إلى ضبط الأعمار وتوحيد المعايير، غير أنّ صداه في البيوت والمدارس جاء مُثقلاً بالدهشة والقلق والأسئلة.
ليس من حق أحد أن يُنكر على الجهة المختصة سعيها إلى إحكام اللوائح وضبط العملية التعليمية؛ فالتنظيم ركيزة العدالة، وتوحيد المعايير ضمانة تكافؤ الفرص. لكنّ العدالة، في معناها الأوسع، لا تكتمل بالنصوص وحدها، وإنما تُستكمل بروحها، ولا تُقاس بصرامة المعيار فحسب، بل بمدى مراعاته للظروف الاستثنائية التي تحيط بالناس.
لقد بذل آلاف التلاميذ جهداً مُقدّراً، وسهرت عيونهم على دفاترهم، ووصلوا الليل بالنهار استعداداً ليومٍ ظنّوه قريباً. ومن خلفهم أسرٌ تحملت نفقات الدراسة ومتطلباتها، ودروساً خاصة، وتشجيعاً نفسياً ومعنوياً، في ظروفٍ اقتصادية ومعيشية لا تخفى على أحد. فكيف يُفاجأ هؤلاء جميعاً – وهم قاب قوسين أو أدنى من حصاد جهدهم – بقرارٍ يحول بينهم وبين الجلوس للامتحان؟
إنّ السؤال هنا ليس اعتراضاً على مبدأ التنظيم، بل استغرابٌ من توقيت القرار وأثره المباشر. فالقرارات التربوية، بخاصة تلك التي تمسّ مصير الطلاب، تحتاج إلى تمهيدٍ كافٍ، وإشعارٍ مُسبق، وفترة انتقالية تراعي أوضاع من هم في قلب العملية التعليمية بالفعل. أمّا أن يأتي القرار على مشارف الامتحان، فإنّ أثره لا يقف عند حدّ الإجراء الإداري، لكنه يمتدّ إلى النفوس الصغيرة التي قد تعجز عن فهم مبرراته، وتكتفي بالشعور بالحرمان والانكسار.
إنّ أبناءنا الطلاب لا يعيشون في فراغٍ مثالي ، إنهم جزءٌ من واقعٍ مضطرب، وأسرٍ تكافح لتوفّر الحدّ الأدنى من الاستقرار التعليمي بعد نزوح وتشريد . وكلّ ظرفٍ استثنائي يستدعي معالجةً استثنائية. والقاعدة – مهما بلغت من الإحكام – لا تُغني عن نافذةٍ رحيمةٍ تُفتح للحالات الخاصة، ولا عن تقديرٍ عادلٍ لمن قطع شوطاً طويلاً في عامه الدراسي على أساس لوائح كانت سارية حتى لحظة قريبة.
إنّ مراعاة البُعد النفسي للتلميذ هنا مسألة جوهرية. فالطالب الذي أعدّ نفسه للامتحان، وتهيّأ ذهنياً لعبور هذه المحطة، ثم يُمنع في اللحظة الأخيرة، قد يفقد أكثر من عامٍ دراسي قد يفقد الثقة، والحافز، والشعور بعدالة المنظومة. وهذه خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل بأثرها العميق في تكوين الشخصية ومستقبلها.
من هنا، فإنّ النداء موجّه إلى وزارة التربية والتعليم أن تُعيد النظر في آلية تطبيق القرار، لا من باب التراجع عن التنظيم، بل من باب استكماله بالإنصاف. فربّ معالجةٍ انتقالية، أو استثناءٍ مدروس لمن استوفوا متطلبات العام الدراسي، أو تأجيلٍ لتطبيق القرار إلى دورةٍ قادمة، كفيلٌ بأن يحفظ هيبة القرار ويصون في الوقت ذاته حقوق الطلاب الذين استعدوا على أساس واقعٍ مختلف.
إنّ الحكمة الإدارية لا تتجلّى في صرامة النص فحسب، إنما في مرونته عند الضرورة. وما زال في الوقت متّسع لتدارك الأمر، بما يطمئن القلوب، ويحفظ هيبة المؤسسة، ويؤكد أن غاية التعليم ليست الامتحان وحده، بل بناء إنسانٍ يشعر بالعدل قبل أن يُطالب بالانضباط. خاصة أن عدداً مقدراً انتظم في الدراسة واجتاز امتحانات واختبارات لا تقل عن ما هو مقبل عليه من امتحان ..
ولعمري، إنّ قراراً يُراجع في ضوء المصلحة العامة لا يُعدّ ضعفاً، بل قوةً أخلاقية تُعلي من شأن العدالة، وتؤكد أن صوت الطالب وأسرته جزءٌ معتبرٌ من معادلة الإصلاح.
