بقلم: د. نفيسة ابراهيم الأمير
لم تعد الحروب الحديثة أحداثًا سياسية معزولة عن الاقتصاد، بل أصبحت عاملاً مباشرًا في تشكيل هيكل التكاليف العالمي. وفي ظل التوترات الراهنة في منطقة الخليج، تتجدد الأسئلة حول أثر اضطراب حركة النقل والملاحة الجوية بين أقصى الشرق والغرب، ليس فقط على أسواق الطاقة، بل على منظومة التجارة الدولية بأكملها.
تتمتع منطقة الخليج بموقع استراتيجي يربط بين مراكز الإنتاج الكبرى في آسيا، وعلى رأسها الصين، وبين أسواق الاستهلاك في أوروبا. وتعتمد هذه المنظومة على ممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب المجال الجوي الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لحركة الطيران التجاري.
أي اضطراب أمني في هذه الممرات يفرض واقعًا اقتصاديًا جديدًا. فعلى المستوى البحري، يؤدي تحويل مسارات السفن إلى طرق أطول إلى ارتفاع تكلفة الشحن، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب. أما على المستوى الجوي، فإن تجنب بعض الأجواء الإقليمية يضاعف زمن الرحلات وتكاليف التشغيل، ما ينعكس مباشرة على أسعار تذاكر الطيران والشحن الجوي.
لكن التأثير لا يتوقف عند حدود قطاع النقل. فمن منظور محاسبي وتمويلي، يؤدي إطالة زمن الشحن إلى تمدد دورة التشغيل للشركات، وارتفاع المخزون تحت النقل، وتجميد السيولة لفترات أطول، وهو ما يزيد الحاجة إلى التمويل قصير الأجل ويرفع تكلفة رأس المال العامل. ومع تكرار هذه الاضطرابات، تتحول التكلفة المؤقتة إلى عبء هيكلي في القوائم المالية
كما أن سلاسل الإمداد العالمية تُظهر هشاشتها أمام أي خلل جيوسياسي. تأخر السلع الوسيطة يرفع تكلفة الإنتاج، وينتقل الأثر تدريجيًا إلى المستهلك النهائي في صورة تضخم مستورد. وهنا تجد البنوك المركزية نفسها بين ضغوط التضخم ومتطلبات دعم النمو.
في أسواق المال، ترتفع علاوة المخاطر، وتتجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، بينما تتعرض الأسواق الناشئة لموجات تذبذب قد تؤثر في أسعار الصرف وتدفقات الاستثمار. وهكذا يتحول حدث جغرافي محدود إلى موجة اقتصادية عابرة للحدود
إن ما نشهده اليوم يؤكد حقيقة أساسية: الجغرافيا السياسية لم تعد متغيرًا خارجيًا يمكن تجاهله في النماذج الاقتصادية، بل أصبحت عنصرًا جوهريًا في إدارة المخاطر المالية، وتخطيط السيولة، واستراتيجيات التحوط.
ومن هنا، فإن المرحلة تتطلب من الحكومات والشركات إعادة تقييم سياسات إدارة المخاطر، وتنويع مسارات الإمداد، وتعزيز المرونة التشغيلية،
د. نفيسة إبراهيم الأمير
