بقلم: حمد يوسف حمد
في وقت يلملم فيه السودان جراحه ويبحث عن مسارات للتعافي، طلّت برأسها من جديد التوترات على الحدود الشرقية، ولكن هذه المرة بتصعيد نوعي تجاوز المناوشات التقليدية إلى استخدام الطائرات المسيرة واختراق الأجواء، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الدوافع التي تدفع أديس أبابا لصب الزيت على النار في هذا التوقيت الحرج بالذات. إن القراءة المتأنية للمشهد تشير إلى أن إثيوبيا تعيش حالة من “الهشاشة البنيوية” بين صراعات إقليم أمهرة وتوترات التيغراي، مما جعل نظام آبي أحمد يبحث عن “عدو خارجي” كأداة مثالية لحشد الشعور القومي وصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والتمردات المسلحة التي تنهك جسد الدولة الإثيوبية، مراهناً في ذلك على حالة “الإنهاك” السوداني وظناً منه أن الخرطوم المنشغلة بتطهير الداخل لن تكون في وضع يسمح لها بفتح جبهة مواجهة شاملة.
هذا الاستغلال الرخيص لظرف السيولة الأمنية يهدف بوضوح إلى فرض أمر واقع جديد في مناطق الحدود لاسيما “الفشقة”، ومحاولة قضم أراضٍ سودانية تحت غطاء الانشغال القومي، بالتزامن مع استخدام ملف الحدود كـ “كارت مقايضة” للضغط في ملف سد النهضة وإرباك الموقف السوداني، فضلاً عن وجود مؤشرات حول رغبة إثيوبيا في لعب دور العراب لقوى تسعى لزعزعة استقرار الحكومة المركزية. إلا أن أديس أبابا تقع في فخ “وهم الضعف” السوداني، وتخطئ الحسابات إن هي اعتقدت أن انشغال القوات المسلحة يعني استباحة الحدود، فالتاريخ القريب والبعيد يشهد بأن الجندي السوداني يمتلك عقيدة قتالية صلبة لا تلين، وأن القوات المسلحة السودانية تمتلك اليوم من القدرات النوعية في سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة والخبرات الميدانية ما يجعلها قادرة على تحويل أي مغامرة إثيوبية إلى انتحار استراتيجي محقق.
إن الجيش السوداني الذي استعاد الفشقة بعمليات احترافية خاطفة، يبعث اليوم برسائل ميدانية حاسمة مفادها أن الجاهزية القتالية قادرة على لجم أي تجاوز وإعادة إثيوبيا إلى حجمها الطبيعي فوراً، فالسودان الذي لا يسعى للحرب يمتلك في ذات الوقت “مفاتيح الأرض” والقدرة على نقل المعركة إلى عمق المعتدي، مما يجعل ثمن التحرش بالسيادة السودانية باهظاً يفوق قدرة النظام الإثيوبي على الاحتمال. وعلى القادة في أديس أبابا أن يدركوا أن السودان وإن أثقلته الجراح لا ينام على ضيم، وأن محاولات جس النبض الحالية ستصطدم بجدار صلب من الإرادة الشعبية والعسكرية، فالرد السوداني لن يكون دفاعياً فحسب بل سيكون درساً قاسياً في السيادة يضع الأمور في نصابها الصحيح، ويؤكد أن العبث بحدود السودان هو لعب بالنار التي ستحرق أولاً أصابع من أشعلها
