الإثنين, مارس 2, 2026
الرئيسيةمقالاتبيان الخارجية السودانية… حين يختل ميزان الدبلوماسية

بيان الخارجية السودانية… حين يختل ميزان الدبلوماسية

مهدي داود الخليفة

أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا أدانت فيه ما وصفته بالاعتداء الإيراني على كلٍ من قطر والبحرين والكويت والأردن. بيان واضح في لغته، صريح في إدانته، ومتماهٍ مع مبادئ السيادة والقانون الدولي. غير أن ما لفت الانتباه لم يكن ما قيل، بل ما لم يُقَل.

فقد غاب عن البيان ذكر دولة الإمارات العربية المتحدة، رغم أنها كانت ضمن الدول التي طالتها الاعتداءات. هذا الغياب لم يُقرأ صمتًا عابرًا، بل فُسّر باعتباره خللًا دبلوماسيًا، وربما رسالة مقصودة، توحي وكأن الاعتداء على الإمارات لا يستوجب ذات الإدانة التي استحقتها بقية الدول.

في العمل الدبلوماسي، الانتقائية تُربك المعنى. وعندما تُدان الاعتداءات على دول عربية بالاسم، ويُغفل اسم دولة شقيقة، فإن الرسالة تصبح ملتبسة، حتى وإن لم يكن ذلك هو المقصود.

كان من مقتضيات الدبلوماسية المتوازنة أن تتم إدانة الاعتداء على كل الدول العربية التي استُهدفت، دون استثناء. فالموقف المبدئي من انتهاك سيادة الدول لا يُجزّأ وفق حسابات ظرفية.

الإمارات ليست مجرد دولة في الإقليم؛ إنها تستضيف على أراضيها ما يقارب ربع مليون مواطن سوداني، يعيشون ويعملون ويشاركون في بناء مجتمعها. والصواريخ التي تستهدف أرضًا عربية لا تفرّق بين مواطن إماراتي وسوداني. أمن الإمارات هو، بالمعنى الإنساني المباشر، أمن لآلاف الأسر السودانية.

على امتداد عقود، قدّمت الإمارات دعمًا سياسيًا وإنسانيًا وتنمويًا للشعب السوداني في محطات متعددة. والعلاقات بين الخرطوم وأبوظبي، مهما شابها من تجاذبات سياسية، ظلت محكومة بروابط شعبية عميقة.

العلاقات بين الدول قد تمرّ بمراحل مدّ وجزر، لكن العلاقات بين الشعوب تبقى أكثر رسوخًا. والسودانيون في الإمارات ليسوا جالية عابرة، بل جزء من نسيج اجتماعي واقتصادي مشترك.

جاء البيان في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتداخل الاصطفافات والمحاور. وفي مثل هذه اللحظات، تحتاج الدول إلى وضوح لا لبس فيه. فالغموض، حتى إن كان مقصودًا لاعتبارات سياسية، قد يُفهم باعتباره انحيازًا.

اللافت أن البيان الحكومي جاء متزامنًا مع خطاب سياسي داخلي أكثر حدّة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ومتفهّم لحق إيران في الرد، الأمر الذي زاد من حساسية قراءة الموقف الرسمي. وفي بيئة كهذه، تصبح كل كلمة محسوبة، وكل غياب لاسم دولة ذات دلالة.

كان من الممكن – وببساطة – أن يصدر بيان يُدين الاعتداء على جميع الدول العربية التي طالتها الهجمات، ويؤكد تضامن السودان الكامل مع أمن الخليج ككل، دون انتقاء. كان ذلك سيعكس اتساقًا في المبدأ، ويحفظ توازن العلاقات، ويطمئن الأشقاء.

الدبلوماسية الناجحة لا تقوم فقط على ما يُكتب، بل على ما يُفهم.

إن الاعتداء على أي دولة عربية هو أمر مدان، بغض النظر عن الحسابات السياسية. وإن العلاقات السودانية–الإماراتية أعمق من أن تهتز ببيان أو صياغة، لكنها تستحق وضوحًا يعبّر عن حقيقة الروابط بين الشعبين.

وفي زمن الأزمات، تحتاج السياسة الخارجية إلى حساسية مضاعفة، لأن الكلمات قد تُبنى عليها ثقة… أو تُبنى عليها شكوك.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات