إنّ في زمن الالتباس السياسي وتضليل الروايات، تأتي البيانات الواضحة كالفواصل التاريخية التي تضع النقاط على الحروف وتكشف الحقائق دون مواربة. وفي هذا السياق، جاء البيان السعودي الأخير بشأن انتهاكات مليشيا الدعم السريع في ولايتي شمال وجنوب كردفان كوثيقة سياسية وأخلاقية بالغة الدلالة، لا تقف عند حدود الإدانة، ولكنها تعيد ترتيب المشهد الإقليمي حول السودان.
لقد سمّى البيان الأشياء بمسمياتها حين أدان استخدام المسيرات الاستراتيجية التي استهدفت المدنيين الأبرياء، وعرّضت قوافل الإغاثة للتدمير وهي في طريقها إلى اللاجئين المنكوبين، في مشهد يعكس قسوة الحرب حين تُدار بلا أخلاق وبلا رادع إنساني. إن استهداف المدنيين وقوافل الإغاثة لا نحسبه تجاوزاً عسكرياً، إنما نعده جريمة نكراء تضيف فصولًا جديدة لمعاناة شعب أنهكته الحرب وأثقلته المأساة.
ولم يكتفِ البيان السعودي بالإدانة، إنما وضع القضية في إطارها الاستراتيجي الأوسع، مؤكدًا أن استقرار السودان وأمنه والحفاظ على مؤسساته ووحدته الوطنية يمثل أولوية للمملكة، ليس بوصفه شأنًا سودانيًا داخليًا خالصاً ، ولكن كجزء من منظومة الأمن الإقليمي العربي التي لا تحتمل مزيدًا من الفوضى أو التفكك.
كما كان لافتًا وضوح الموقف السعودي في رفض التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، عبر إمداد بعض الأطراف بالسلاح والمقاتلين المرتزقة، في تدخلات أطالت أمد الحرب ووسّعت دائرة المعاناة الإنسانية وأسفرت عن كمية العداء المضمر للسودان ، وهذا التشخيص المباشر يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويعيد توجيه البوصلة نحو جذور الأزمة بدل الاكتفاء بمعالجة أعراضها.
إن الموقف السعودي في جوهره ليس موقفًا معزولاً ، بقدرما هو إنعكاس لرؤية استراتيجية لبناء تحالفات إقليمية متينة تقوم على المصالح المشتركة وتسعى إليها ، واحترام سيادة الدول، ومنع تحويل ساحات الصراع إلى مسارح لتصفية الحسابات الدولية. وفي هذا السياق، يشكل السودان ركيزة مهمة في معادلة الاستقرار الإقليمي، وهذا ما أكدته الرياض إذ رأت في استقراره جزءًا من استقرارها وأمنها القومي.
ولا شك أن هذا البيان يعزز موقف الجيش السوداني في معركة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، ويضعف الترهات التي تحاول تبرير سلوك المليشيا أو تجميل صورتها أمام الرأي العام. فحين تصدر المواقف الواضحة من دول محورية، فإنها لا تؤثر في الدبلوماسية وحدها ، إنما ترسم اتجاهات الرأي العام، وتعيد تعريف الشرعية السياسية والأخلاقية للقضية السودانية .
في المحصلة، فإن البيان السعودي ليس موقفاً سياسياً أحادياً، وإنما يمثل وثيقة أخلاقية واستراتيجية تؤكد أن السودان ليس وحيدًا في معركته من أجل البقاء دولة موحدة ذات سيادة، وأن معادلة الإقليم بدأت تميل بوضوح نحو دعم استقرار الدولة الوطنية ورفض منطق المليشيات والفوضى. وهو موقف، إن استُثمر بذكاء، يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الأزمة السودانية، ويقصر طريق الألم الطويل الذي يسير عليه الشعب السوداني منذ اندلاع الحرب.
