الخرطوم : حفية نورالدائم
يواجه القطاع الصحي السوداني مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات الطارئة مع ضرورات الإصلاح طويل المدى. وبين الاستجابة للأوبئة وتأمين الخدمات الأساسية، تمضي وزارة الصحة الاتحادية في مسار لإعادة ترتيب الأولويات وبناء نظام أكثر استدامة.
“المجد” جلست مع وزير الصحة دكتور هيثم محمد إبراهيم واستعرضت معه في حوار مطول أبرز
ملامح هذه المرحلة بكل أبعادها فكان مايلي
*كيف تقيّمون الوضع الصحي الراهن في البلاد في ظل الظروف الحالية، وما أبرز ملامح خطة الوزارة لضمان استقرار الخدمات ومكافحة الأمراض خلال المرحلة المقبلة؟
رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الظروف الراهنة، خاصة تأثيرات الحرب وشُح الموارد، فإن الوضع الصحي في البلاد يشهد تحسناً تدريجياً مقارنة بالفترات السابقة. فقد استطاعت الوزارة تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في تقديم الخدمات الصحية في معظم الولايات، وهو ما يُعد مؤشراً إيجابياً في ظل التعقيدات الحالية. كما ارتفعت نسبة توفر الأدوية الأساسية إلى نحو 70%، الأمر الذي أسهم في دعم استمرارية الخدمة العلاجية، إلى جانب التوسع في مظلة العلاج المجاني للفئات المستحقة.
أما على مستوى الخطة المقبلة، فترتكز رؤية الوزارة على عدة محاور أساسية، في مقدمتها مكافحة الملاريا عبر مشروع قومي يمتد لخمس سنوات، بالتوازي مع إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لمكافحة نواقل الأمراض. كذلك تولي الوزارة اهتماماً كبيراً لتعزيز أنظمة الإنذار والاستشعار المبكر للتنبؤ بالأوبئة والحد من انتشارها، خاصة الملاريا وحمى الضنك، وقد أسهمت هذه الآليات في خفض معدلات التفشي عبر التدخلات السريعة.
ورغم هذه الجهود، لا يزال التمويل يمثل التحدي الأكبر أمام استدامة وتطوير الخدمات الصحية، إلا أن الوزارة تمكنت من استقطاب دعم دولي مقدر، وتواصل العمل على تعزيز الشراكات لضمان استقرار النظام الصحي وتحسين قدرته على الاستجابة لاحتياجات المواطنين خلال المرحلة المقبلة.
*ما أبرز مشروعات وخطط الوزارة لتعزيز استقرار النظام الصحي وتوسيع الخدمات في ظل تحديات الحرب؟
رغم التحديات التي أفرزتها الحرب، تعمل الوزارة وفق رؤية إصلاحية شاملة لتعزيز استقرار النظام الصحي وضمان استمرارية الخدمات. وفي هذا الإطار، تم الإعلان عن تدشين 40 مشروعاً صحياً، من بينها 10 مشروعات ذات أولوية تركّز على محاور استراتيجية تشمل تعزيز الأمن الدوائي، إدخال الطاقة الشمسية للمؤسسات الصحية لضمان استدامة التشغيل، دعم التحول الرقمي، إنشاء مدن طبية حديثة، إقامة مراكز تشخيصية مرجعية، إضافة إلى تشغيل 7 مصانع أدوية محلية في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد وتقوية الإنتاج الوطني.
وتسعى هذه المشروعات إلى فك مركزية الخدمات الصحية وتوسيع نطاقها الجغرافي، بحيث تغطي نحو 8 ملايين مواطن، بما يحقق عدالة أكبر في توزيع الخدمة الصحية ويرفع كفاءة الأداء في المؤسسات العلاجية.
كما أثبت النظام الصحي اللامركزي فاعليته خلال فترة الحرب، إذ مكّن من تغطية نحو 72% من الخدمات الصحية الأساسية رغم الانقطاعات الأولية ونقص الإمدادات، ما جعله صمام أمان حافظ على استمرار تقديم الرعاية الصحية.
ورغم أن الحرب تسببت في أضرار جزئية بالبنية الصحية وندرة مؤقتة في الأدوية والأجهزة، فإن المؤشرات الحالية تعكس تحسناً ملحوظاً في مستوى التوفر واستعادة الخدمات تدريجياً، في ظل جهود الوزارة لتعزيز الشراكات واستقطاب الدعم لضمان استدامة الخدمات خلال المرحلة المقبلة.
*الي اي مدى يمكن أن يسهم تسريع استعادة نظام التأمين الصحي في تقليل العبء المالي على المواطنين وضمان استقرار الخدمات الصحية في البلاد؟
يمكن أن يسهم تسريع استعادة نظام التأمين الصحي بدرجة كبيرة وأساسية في تقليل العبء المالي على المواطنين وضمان استقرار الخدمات الصحية، لأنه يمثل حجر الزاوية لاستدامة النظام الصحي. فبدلاً من اعتماد المواطنين على الدفع المباشر مقابل الخدمة — وهو ما يحمّلهم التكلفة كاملة — يوفّر التأمين الصحي آلية لتوزيع التكلفة وتخفيف الإنفاق من جيب المريض.
كما أن عودة التأمين الصحي ستقلل الضغط على المستشفيات التي تعمل حالياً في ظل تمويل حكومي لا يغطي سوى 30% من الاحتياجات، وتعتمد على حزم الطوارئ والدعم المؤقت من الجهات الاتحادية والمنظمات. لذلك، فإن تفعيله يعني الانتقال من حلول إسعافية ومؤقتة إلى نظام تمويلي أكثر استقراراً، يضمن استمرار التشغيل الطبي، ودعم الكوادر، وتحسين توفر الخدمات دون أن يتحمل المواطن العبء الأكبر.
*كيف أثّر النزاع المسلح على منظومة التطعيم الروتيني في السودان، وما دلالة ارتفاع التغطية من 55% إلى 70% رغم استمرار التحديات الميدانية؟
أدى النزاع إلى إضعاف البنية التشغيلية لبرامج التطعيم عبر تعطيل سلاسل الإمداد، وتدمير أنظمة حفظ اللقاحات، وصعوبة وصول الفرق الصحية إلى الأطفال في مناطق واسعة، ما تسبب في فقدان نحو مليون طفل لجرعاتهم الروتينية ورفع احتمالات عودة الأمراض الوبائية.
في المقابل، يوضح ارتفاع التغطية من 55% إلى 70% أن الحملات اللحاقية كانت تدخلاً فعالاً وسريع الأثر، إذ نجحت في سد فجوة كبيرة خلال فترة قصيرة وخفض معدلات الإصابة بالدفتريا والحصبة. غير أن هذا التحسن يظل مؤشراً على استجابة طارئة أكثر من كونه استقراراً كاملاً، لأن استدامته مرهونة بتحسن الأوضاع الأمنية، واستمرار الدعم، وإعادة بناء نظام التطعيم الروتيني بصورة منتظمة.
*ما الذي تكشفه ثبات مؤشرات سوء التغذية رغم الجهود العلاجية والوقائية عن التحديات الهيكلية التي تواجه النظام الصحي في المناطق المتأثرة بالعزلة والنزاع؟
ثبات مؤشرات سوء التغذية رغم الجهود العلاجية والوقائية يشير إلى أن المشكلة ليست صحية بحتة، بل ترتبط بتحديات هيكلية أعمق. فالمناطق المتأثرة بالعزلة والنزاع تعاني من ضعف الوصول المنتظم للغذاء والخدمات الصحية، واضطراب سلاسل الإمداد، وصعوبات لوجستية وأمنية تعيق استمرارية البرامج.
كما يعكس ذلك محدودية أثر التدخلات العلاجية وحدها في ظل أوضاع معيشية واقتصادية متدهورة، حيث تتداخل عوامل الفقر، والنزوح، وانعدام الأمن الغذائي مع ضعف البنية التحتية الصحية. لذلك، فإن تحسين المؤشرات يتطلب استجابة متكاملة تتجاوز تشغيل المراكز العلاجية إلى تأمين الإمدادات، وتعزيز الوصول الإنساني، ودعم سبل المعيشة والاستقرار المجتمعي
*كيف أسهم نظام الرصد الوبائي في دارفور في تحسين سرعة وكفاءة الاستجابة الصحية، وما أبرز الخطوات التي اتخذتموها لتعزيز جاهزية المؤسسات العلاجية؟
وجود 500 موقع للرصد الوبائي في دارفور أحدث فرقاً كبيراً في طريقة إدارة الوضع الصحي. نحن لم نعد ننتظر تفاقم الحالات، بل تصلنا تقارير دورية من الميدان تساعدنا على اكتشاف بؤر الأمراض مبكراً وتحديد الأولويات بدقة. هذا مكّننا من توجيه التدخلات بصورة أسرع وأكثر فاعلية.
بالتوازي مع ذلك، عملنا على تأهيل أقسام الطوارئ، وتشغيل نظام الإمداد المبرد لضمان سلامة الأدوية واللقاحات، إضافة إلى دعم مستشفيات جنوب وشرق دارفور لرفع جاهزيتها. كما أن إعادة افتتاح مستشفى القلب بمدني، وهو أكبر مركز تخصصي للقلب في السودان، يؤكد أن جهودنا لا تركز فقط على الطوارئ، بل تشمل أيضاً استعادة الخدمات التخصصية وبناء نظام صحي أكثر قدرة على الصمود مستقبلاً.
*هل أصبحت الهجرة الطبية أخطر من الحرب على القطاع الصحي؟
نعم، يمكن القول إن الهجرة الطبية أصبحت في بعض الجوانب أخطر أثراً على القطاع الصحي من الحرب نفسها. فالحرب تُحدث دماراً مباشراً في البنية التحتية يمكن إعادة تأهيله مع الوقت، أما فقدان الكوادر المؤهلة فيمثل استنزافاً طويل الأمد يصعب تعويضه سريعاً، خاصة أن إعداد الأطباء والاختصاصيين يحتاج سنوات من التدريب والخبرة.
الهجرة الخارجية عمّقت فجوة النقص وفق المعايير العالمية، بينما أدت الهجرة الداخلية إلى حلول إسعافية بسد فجوات في بعض الولايات، لكنها خلقت اختلالاً في التوزيع وقد تُنتج ضغطاً جديداً عند عودة النشاط الكامل إلى الخرطوم. لذلك فالتحدي لم يعد فقط في إعادة تشغيل المرافق، بل في استعادة التوازن البشري للنظام الصحي وضمان بقاء الكوادر وتحفيزها، لأن الخدمة الصحية في جوهرها تعتمد على الإنسان قبل المكان
*في ظل الحديث عن أرقام كبيرة للخسائر، كيف تقيّمون الوضع الفعلي للمؤسسات الصحية على الأرض؟
التقييم الميداني الذي أُجري خلال الفترة الماضية أظهر أن حجم الأضرار في المؤسسات الصحية متفاوت من منطقة لأخرى، لكن الصورة ليست بالقتامة التي تعكسها بعض الأرقام المتداولة. عدد مقدّر من المرافق الصحية ما زال قائماً من حيث الهياكل الأساسية، وإن كانت تحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل وإعادة تجهيز. هذا الوضع يجعلنا نتحدث عن إعادة تأهيل وتشغيل تدريجي أكثر من الحديث عن إعادة بناء شاملة من الصفر، وهو ما يقلل الكلفة الكلية ويُسرّع من عودة الخدمات للمواطنين. حالياً نعمل على استكمال التقييمات الفنية التفصيلية لتحديد الأولويات وضمان توجيه الموارد بشكل فعّال.
*ما أبرز ملامح الرؤية الخمسية والعشرية التي تعملون عليها لتطوير القطاع الصحي؟
الرؤية الخمسية والعشرية التي نعمل عليها تنطلق من هدف أساسي هو بناء نظام صحي أكثر مرونة وعدالة وقدرة على الصمود. نركز أولاً على توسيع نطاق الخدمات الأساسية، خاصة في المناطق الطرفية، من خلال دعم اللامركزية وتقوية الرعاية الصحية الأولية. المحور الثاني يتعلق بالأمن الدوائي، عبر تحسين الإمداد وتشجيع الصناعة الدوائية المحلية لتقليل الاعتماد على الخارج.
كما تشمل الرؤية تحديث البنية التحتية الصحية بالتأهيل المرحلي للمؤسسات القائمة، والتوسع في استخدام الطاقة البديلة والتحول الرقمي لتحسين الإدارة وجودة البيانات. ونعمل بالتوازي على معالجة المحددات الصحية المرتبطة بالمياه والإصحاح البيئي والتغذية، لأنها تمثل أساس العبء المرضي في البلاد.
وعلى المستوى المؤسسي، نضع إصلاح التمويل الصحي وتوسيع التأمين وبناء قدرات الكوادر ضمن أولوياتنا لضمان الاستدامة، مع تعزيز أنظمة الترصد الوبائي والاستجابة السريعة للطوارئ. هذه الرؤية تعتمد على شراكات وطنية ودولية، وتهدف إلى الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى نظام صحي مستقر ومتين على المدى الطويل
*ختاما ما الذي جعل اسم “سابا” يحضر في قائمة التكريم بوصفه شريكاً استثنائياً؟
لم يكن تكريم الجهات الداعمة للقطاع الصحي خطوة بروتوكولية عابرة، بل رسالة وفاء صادقة لكل من ساند النظام الصحي في واحدة من أقسى مراحله. فالوزارة حرصت على الاحتفاء بمنظمات وطنية ودولية، ووكالات أممية، إلى جانب داعمين وأفراد، تقديراً لدورهم الحقيقي في استمرار الخدمات الصحية وتعزيز قدرة المرافق على الصمود وسط التحديات
و تكريم منظمة سابا حمل خصوصية لاعتبارات رمزية وعملية معاً فسابا تمثلنا إلى جانب تجربتها الميدانية الفاعلة. كما أن توافق استراتيجيتها مع نهج وزارة الصحة الاتحادية أوجد تكاملاً في الجهود، انعكس في دعم عدد كبير من المرافق الصحية ورفع جاهزيتها لخدمة المواطنين.
