في أقصى الشمال… حيث النيل يعرف أهله بالاسم، وُلد رجل لم يتعلّم الخطابة ليُدهش، ولا الدعوة ليُخاصم.
كان اسمه “محمد أحمد حسن”.
وُلد في القولد، في بيتٍ متديّن، أبوه “السِّمِد”… رئيس المزارعين، يعرف الأرض ويعرف الناس. ومن هناك تعلّم الشيخ أول درس: أن الدين يُزرَع كما تُزرَع النخلة… بصبر، وبلا ضجيج.
ينتمي إلى الشوايقة من تنقاسي، واختلط دمه بالدناقلة، فصار قريباً من الجميع قبل أن يصعد منبراً واحداً.
أنهى الثانوية عام 1965، وسافر إلى الإسكندرية، مكث عاماً في المعاهد الدينية، ثم عاد. لم يعد شيخاً مشهوراً، عاد موظفاً.
ستةٌ وعشرون عاماً قضاها كاتباً في دواوين الدولة: في وزارة الدفاع، وفي كسلا، وفي شرق الاستوائية، ثم وزارة الري بود مدني، ثم وزارة الصناعة حتى صار “باشكاتب” في مكتب الوزير، وأخيراً مركز البحوث.
كان يعرف الدولة من الداخل، ويعرف الناس من الخارج. وحين تقاعد مبكراً عام 1992، لم يتفرغ للراحة، تفرغ للكلمة.
بدأ الدعوة فعلياً عام 1982، من مسجد الصحافة. خطبة جمعة، بلا تكلف، ولا صراخ. يتحدث كما يتحدث الناس، ويصمت كما يصمت الحكيم.
وفي عام 1991، دخل التلفزيون. لم يدخل بثوب الواعظ المتجهم، دخل ببرنامج اسمه وحده رسالة: «الدين النصيحة».
لم يكن البرنامج درساً، كان جلسة بيت. لهجة سودانية بسيطة، أقرب لنساء البيوت، وأصدق من خطب المنابر. استمر البرنامج نحو عشرين عاماً، وصار الشيخ ضيفاً دائماً في بيوت السودان.
ثم جاءت الإذاعة: «رأي من الدين»، وجاءت الجامعات، والمساجد، والقرى، والطرق. وكان يجيب الناس حتى في الشارع، حتى وهو واقف.
لم ينتمِ إلى حزب، ولا جماعة. وقف وحده، فأحبّه الجميع. وكان يقبل المراجعة، ويضحك من نفسه، ويغفر الإساءة كأنها لم تكن.
أشاد بما رآه حقاً، حتى لو جاء من سلطة، وقال عن قرارات نميري:
“ما فعله… لم تفعله حكومة حتى الآن”.
وطاردته شائعات الوفاة ثماني مرات، فيضحك، ويظهر على الشاشة قائلاً:
“الناس ديل دايرين يقتلوني قبل يومي”.
وفي 27 مايو 2020، توقّف الضحك. ورحل الشيخ محمد أحمد حسن في الخرطوم، قريباً من التسعين.
لم يترك مؤلفات ضخمة، ولا خطباً محفوظة. ترك شيئاً أبقى: أن الدين يمكن أن يكون قريباً، وبسيطاً، وإنسانياً.
كان داعية… لكن قبل ذلك كان واحداً من الناس..
