إنَّ من حكمة الله البالغة في المحن.. أن يكون من وراءها المنح.. لذلك في لحظات الشدّة، لا تُقاس الأمم بما تفقده، بل بما تُحسن أن تُنجبه من رحم المحن هذه . ومن قلب حربٍ حاولت أن تُنهك السودان وتكسر إرادته، يخرج خبر اعتماد تخصص دقيق في هندسة الطيران – تخصص مسيرات بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كإشارةٍ فارقة، لا في مسار التعليم فحسب، بل في مسار الوعي الوطني ذاته.
ليس هذا القرار نفلاً أكاديميًا، ولا استجابة عابرة لموجةٍ عالمية، بل هو قراءة عميقة لحاجة السودان وهو يواجه أخطر تحديات وجوده. فالعالم اليوم لا يُنصت للضعفاء، ولا يحسب حسابًا لمن يفتقرون إلى أدوات القوة بمعناها الشامل: علمًا، وتقنية، وعقولًا قادرة على الفعل والتأثير.
والمُسيّرات – بما تمثله من تطور نوعي في هندسة الطيران – لم تعد أداة تقنية، بل أصبحت لغة العصر، وأحد مفاتيح موازين القوة الحديثة، وسلاحاً رخيص ثمنه قوي اثره . وحين ينتقل السودان من موقع الاستهلاك والتهديد، إلى موقع الفهم والإتقان والتصنيع، فإنه يخطو خطوة حقيقية نحو كسر دائرة الخوف، واستعادة زمام المبادرة.
إن اعتماد هذا التخصص الدقيق هو، في جوهره، انتصارٌ مؤجَّلٌ تحقّق في ميدان العلم، ومن باب قوله تعالى: «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة»، فالقوة اليوم لا تُختزل في السلاح، بل تبدأ من القاعات، والمختبرات، والعقول التي تُدرَّب لتصنع، لا لتستورد، ولتحمي، لا لتُستباح.
وإذا كان العالم قد أرهب الشعوب بقوة الذرّة، فإن للسودان قوته الذُّرّية الخاصة: قوة أبنائه… ذريةً بعضها من بعض فنحن أحفاد الشهداء، وسلالات الأبطال، الذين لم يعرفوا الانكسار، ويعرفون أن بناء المستقبل يبدأ من امتلاك أدواته.
وإن ما قامت به جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا رسالةٌ واضحة المعالم.. أن الجامعات ليست جزرًا معزولة عن قضايا أوطانها، إنما هي طليعة الوعي، وبوصلة الحاجة، وعصب النهوض. فهكذا يكون القادة الأكاديميون حين يدورون مع مصلحة بلدانهم حيثما دارت.
فالتحية موصولة لجامعة السودان… على هذا الفتح العلمي الكبير، وعلى هذا الرهان الذكي على الإنسان السوداني، وعلى هذا الإيمان بأن من رحم الحرب، يمكن أن يولد علمٌ… ومن العلم، تولد القوة. Elhakeem.1973@gmail.com
