البعض يقرأ التاريخ ولا يسقطه على الحاضر … ليس من أجل إنكاره بل لقناعتهم بأن *الشر هوّ المنتصر*، وهى فرضية لا يسندها *لا الوعد الإلهى ولا الحقائق الثابتة*…. وهذا أكبر دروس ثورة اكتوبر ١٩٦٤ المجيدة، فقد ظن البعض حينها- كما يفعل آخرون الان- انه لا يمكن ان *يثور الشعب ضدّ ديكتاتورية العسكر … ونسوا بأن هنالك لحظة تاريخيّة تتغير فيها الموازين لصالح قوى الخير وبالتالى إنتصار الديمقراطية… وهذا الرهان الخاسر كرروه عند انقلاب مايو ٦٩… انقلاب الإسلاميين فى ٨٩.. ويكررون الان فى انقلابى١٢ إبريل ١٩ و ٢٥ اكتوبر ٢١، وهنا لا بد من التوقف عند عدة شواهد:
أولاً: ان كل هذه الانقلابات التى وصلت للسلطة ومنها من لم ينجح، لم يكسروا من خيار الشعب السودانى بالديمقراطية وتحقيق الدولة المدنية.
ثانياً:إن انتصارات الشعب السودانى تمت من خلال عمليات *تراكمية تنطلق من الترقب … تنتقل الى الانتفاضات… ثم تنفجر فى *ثورة شاملةً* تدفع إلى استشراف قيّم الديمقراطية والعدالة.
ثالثا أنه إذا كانت الحركة الجماهيريّة قد تطورت فى أساليب حراكها السلمى الديمقراطي بحيث انها وحتى فى أوقات هزيمتها بوصول الديكتاتورية للسلطة، فانها لم تعطي الديكتاتورية مساحة للتحرك واكتساب الشرعية، والواقع الحالى خير دليل وشاهد، بل انه حتى بعد ان وصّلت الديكتاتورية إلى أعلى مستويات العنف بصناعة حرب إبادة جماعية ودمار شامل، لم تجح فى جذب الحركة الجماهيرية إلى دائرة القبول بالأمر الواقع، وحتى كل محاولات تجميل وجه الديكتاتورية القبيح باستجلاب شخصيات باهتة و لا تمتلك لا كاريزما ولا مقدرات القيادة أو الاستعانة بأحزاب وزن الريشة، وغير ذلك من المحاولات اليائسة لم تزحزح منّ صلابة وإرادة الشعب السودانى.
رابعاً: وهو المهم ان حاضنة الديكتاتورية قوامها هو الدولة العميقة او الرأسمالية الطفيلية التى تراكمت ثرواتها عبر فساد السلطة والوظيفة، لذلك هى تستميت الان من أجل المحافظة على مصالحها بجعل السلطة أساساً للثروة، وللأسف فإن راس رمح هذه الدولة العميقة هم قيادة الجيش الحالية، والتى تسابق الزمن من أجل امتلاك الثروة عبر إفقار الشعب وتدمير الوطن، هذه الدولة العميقة تتدثر الان بغطاء شعار جيش واحد وشعب واحد، هذا الشعار الذى انطلق من خلال *حراك ثورة أكتوبر المجيدة، وهدفت الجماهير منه إلى تخليص القوات النظامية من سيطرة قيادات الجيش الديكتاتورية… وبالفعل نجح هذا الشعار فى تحقيق *انحياز الجيش للحركة الجماهيرية* ورفض أن يكونوا اداة من أدوات القمع والقتل … *قيادة الجيش الحاليّة تحاول توظيف هذا الشعار لصالح حرب استعادة والبقاء لسلطة الحركة الإسلامية السياسيّة التى تدين لها ببيعة المنشط والمكره وفقه *إطاعة اولى الأمر منهم من أمراء الحرب* الذين يتحكمون فى كلّ صغيرة وكبيرة…!!
