الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتالفوضى المعرفية .. ...

الفوضى المعرفية .. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم..


لم يعد الفضاء الرقمي خيارًا ثانوياً يمكن تجاوزه، بل غدا واقعًا معاشًا يتنفسه الأفراد صباح مساء، ويشكّل عقول الأجيال قبل أن تصوغها المدرسة أو الأسرة او المجتمع. وفي ظل هذا الانفتاح الهائل على المعلومات والمحتوى المتدفق عبر المنصات الاجتماعية المتكاثرة ، تبرز الحاجة الملحّة إلى تربية إعلامية رقمية واعية، تُمكّن النشء من التمييز بين الغث والسمين، وتحصّنهم من الانجراف والإنحراف خلف ما يروَّج من أفكار وسلوكيات وقيم دخيلة.
إنّ وزارة التربية والتعليم مطالبة ومسؤولة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تتدخل بوعي استراتيجي لتضمين مناهج ومقررات دراسية متخصصة في التربية الإعلامية الرقمية، تُدرّس في كل المراحل التعليمية، من الابتدائية حتى الجامعة. فهذه المناهج لا ينبغي أن تكون محاضرات نظرية جافة، بل تجارب تعليمية تفاعلية تُدرّب الطلاب على التفكير النقدي، وتكشف لهم آليات صناعة المحتوى الرقمي الهابط والهادف معاً ، وأساليب التأثير الخفي في العقول والاتجاهات.
فليس خافيًا ما للمنصات الاجتماعية من تأثير بالغ على السلوك والتوجهات والقيم، إذ باتت شريكًا خفيًا في تربية الأبناء، بل ومرجعًا بديلًا في تشكيل الرأي العام. ومتى غابت التربية الواعية، أصبحت الأجيال عرضة للتشويش والاضطراب الفكري، بل والسير وراء الشائعات والمحتوى الهابط الذي يفسد الذوق ويضعف الانتماء ويلوث العقول..
وفي المقابل، فإنّ الاستفادة الرشيدة من الوسائل التواصلية يمكن أن تفتح آفاقًا رحبة لتطوير العملية التعليمية وتنمية المهارات الفردية للطلاب، إذا أحسنّا توظيف التفاعلية التي تتيحها هذه الوسائل في بناء معارف جديدة، وإطلاق طاقات الإبداع والابتكار لدى المتعلمين.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن التربية الرقمية لم تعد نافلةً تربويًةً بل هي ضرورة وطنية وأخلاقية، وخط دفاع أول ضد الفوضى المعرفية التي تعصف بالعقول. إنّ تأليف مناهج ومقررات متخصصة في هذا المجال هو استثمار في وعي الأجيال، وتأمين لمستقبل أكثر نضجًا ومسؤولية في التعامل مع الإعلام الرقمي.
فالعالم لا ينتظر، والمحتوى لا يتوقف، والوعي هو وحده القادر على التمييز بين المعرفة والتضليل، وبين البناء والهدم، وبين أن يكون الإنسان صانعًا للمحتوى… أو صنيعة له. Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات