في فَجْرٍ مُمَزَّجٍ بهدير الرصاص ودماء الكرامة، اندلعت واحدة من أعنف المعارك على أرض مَصْفاةِ الجِيلِي.
كانت المحاولة الثانية لتحرير المصفاة بعد معركةٍ شرسة، لكن هذه المرة حملت وجوه الأبطال عزيمةً لا تُكسر، وقلوبًا لا تعرف التراجع.
خرجت القوات المشتركة من مَعْسَكِر البِسَابِير، ومن نقطة ارتكازها في مَعْسَكِر المُعَاقِيل، تقود صفوف القتال جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية، وجهاز الأمن والمخابرات العامة، وقوات البراءون، والمقاومة الشعبية.
هدفهم واحد: حِمَايةُ البَوَّابَةِ الشَّمالية لوطنٍ جريحٍ اسمه السودان.
كانت الأرض تهتز تحت وقع أقدامهم، وحقول الألغام تنفجر كأنها امتحان السماء لصدق النوايا.
تقدّم الرجال بلا تردد، وعند دخولهم حقل الألغام، أبدت القوات المشتركة شجاعةً استثنائية، مواجهة الموت بلا خوف، مقدّمةً أروع صور البطولة الجماعية، فمنهم من مضى جسدًا، ومنهم من عاد حكايةً تُروى في المجد.
وفي لحظة النصر، حين أشرقت راية الوطن فوق المصفاة، كانت الأرض مُضْرَّجَة بدماء ستة وخمسين شهيدًا، منهم ستة وأربعون من القوات المشتركة الذين خاضوا قلب النار، وأجلوا رفاقهم من أرض المعركة بأيديهم، وعشرة شهداء من القوات المسلحة والأمن والمخابرات والمقاومة الشعبية الذين قاتلوا بشرفٍ حتى النفس الأخير.
✨✦✨ وَدَاعُ المَسِيكْتَاب… حِينَ بَكَتِ الأَرْضُ رِجَالَهَا ✦✨✦
اختار القدر أن يكون وداع الأبطال في قرية المَسِيكْتَاب – الضفة الشرقية لنهر النيل شمال شندي – حيث يعيش أهلنا الجعليين الكرام، ورثة البجراوية وشندي القديمة، الذين فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم لاستقبال أبناء الوطن.
منذ الصباح، خرج الأهالي أفواجًا، لا يميزهم إلا وجع الفقد المشترك.
وحين وصلت العربات التي تقل جثامين الشهداء، سكنت القرية كلها، حتى الطيور توقفت عن الطيران.
كان المشهد مؤلمًا ومهيبًا: أكف مرفوعة بالدعاء، أمهات يودعن أبناءهن بالبكاء والزغاريد، وشباب المَسِيكْتَاب يحملون النعوش على أكتافهم، كأنهم يحملون السودان كله.
تخللت الفقرات أصوات مواطنين يرددون: الله أكبر “دمهم دمنا، أرضهم أرضنا، وطنهم وطننا.”
كانت المساعدات بسيطة وكبيرة من أهلها: الماء، الخبز، وذبائح وأيدي تساعد كبار السن، وأصابع تمسح دموع الأطفال، لتكون المَسِيكْتَاب رمزًا للوحدة والوفاء.
وأحد الشباب قال وهو يمسح دموعه: “دمهم دمنا، أرضهم أرضنا… لن ننسى شهداء مَصْفاةِ الجِيلِي أبدًا.”
وأم كبيرة تدعو بصوتٍ خافت: “ليبارك الله دماءهم، فالوطن حي بهم.”
دفنوا في مقبرة واحدة، فكانت تلك المقبرة رمزًا لوحدة وطنٍ لن تقطعه القبائل ولا تُفرّقه الجغرافيا.
✨✦✨ الحُضُورُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوَفَاءِ ✦✨✦
شارك في وداع الشهداء جمع من القادة العسكريين والتنفيذيين:
الحضور من التنفيذيين، أهالي المنطقة، الإدارات الأهلية، وأعداد غفيرة من المواطنين والشباب، منذ أن علموا بنشوب المعارك وحتى وصول العربات التي نقلت جثامين الشهداء من أرض المعركة في مَصْفاةِ الجِيلِي.
الحضور العسكري:
الفَرِيقُ إِبْرَاهِيمُ الماظ دينق
الأخ معتصم كمبو كمبو، ممثل الحاكم الإقليمي الفل مارشال مني أركو مناوي
العقيد معتصم البني، قائد القوات المشتركة بولاية نهر النيل
الرائد معتصم تبن، قائد قوات حركة العدل والمساواة السودانية
الإعلامي مصطفى شمو، ممثل جيش تحرير السودان
الحاج المجاهد الأمين الصادق، قائد المقاومة الشعبية بالمَسِيكْتَاب
المجاهد الناجي عبد الله
قيادات من القوات المسلحة، جهاز الأمن والمخابرات العامة، البراءون والمقاومة الشعبية
إلى جانب حضور الإعلاميين لتوثيق الحدث.
✨✦✨ بَعْدَ الْمَعْرَكَة… الهُجُومُ عَلَى الْمُشْتَرَكَةِ وَحَادِثَةُ عَطْبَرَة ✦✨✦
لم تكد دماء الشهداء تجف، حتى بدأت سهام الاتهامات تُرمى نحو القوات المشتركة، رغم أنهم أبناء الوطن الواحد.
وجاءت حادثة مستشفى عطبرة لتكون ذريعة جديدة للهجوم الإعلامي، لكن الحقيقة لا تُطمس بالضجيج: المشتركة لم تكن خصمًا لأحد، بل درع الوطن بأكمله.
لقد احتضنتهم أرض نهر النيل، وكانت سماؤها غطاءهم، لكن حين انقشع غبار المعركة، فوجئوا بمن يطالبهم بالمغادرة، وكأنهم غرباء فوق ترابٍ دافعوا عنه بدمهم.
✨✦✨ أَبْنَاءُ دَارفُور… أَبْنَاءُ الْكِفَاحِ وَالصُّمُود ✦✨✦
أبناء دارفور، رجالًا ونساءً، يقاتلون اليوم في الفاشر وفاشر الصمود، صامدين في خنادق الدفاع عن الوطن، لا هاربين من ويلات الحرب كما يزعم البعض.
ولمن يقول لهم: “امشوا حرروا دارفور، قاعدين هنا لي” — نقول: أنتم هنا، اليوم، تدافعون عن كل السودان بدمائكم وفداءكم، وأنتم مثال للوفاء والكفاح الحقيقي.
في معركة الفاشر رقم 258، تصدت القوات المسلحة والقوات المشتركة لهجوم واسع شنته قوات الدعم السريع من عدة محاور، مؤكدين أن الفاشر ليست مجرد مدينة، بل رمز للصمود والوحدة الوطنية.
في خنادق القتال، حيث يتصاعد دخان المعارك ويعانق غبار الاشتباك الأرض، يواجه الجنود تحديات لا تُحصى، وأصعب اللحظات هي عند سماع نبأ استشهاد أحبائهم وهم لا يزالون يقاتلون في الجبهات.
رجال ونساء وأطفال، يأكلون ما تجود به الطبيعة: علف الحيوانات وجلودها، خبزًا وماءً بسيطًا، بلا خوف ولا ضعف، بل بصمود وإصرار على حماية الأرض والعرض.
إنهم يقاتلون ليس من أجل قطعة أرض أو حدود جغرافية، بل من أجل كلمة الحق، من أجل السودان الموحد، ومن أجل كل الأجيال القادمة.
لقد قاتلوا جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة وكل الفصائل الوطنية، من أجل وحدة الوطن وكرامته، مثبتين أن الدفاع عن دارفور هو دفاع عن السودان بأسره، وأن كل دم يُسفك وكل تضحية تُقدَّم هي رسالة صمود وعزة لكل الأجيال القادمة.
اليوم، توحّدت كل الصفوف والدفاع عن العرض والأرض هوا العنوان.
الله أكبر — لا نامت أعين الجبناء.
السودان حر، الأرض حرة، لن نفرض في شبر من ترابها (بل بس .. ماينوم).
✨✦✨ رَسَائِلُ لِلأَجْيَالِ الْقَادِمَة ✦✨✦
تعلموا من دماء الشهداء: أن الوطن أغلى من الأسماء والأحزاب، وأن الشجاعة ليست في الكلام، بل في الفعل، وأن الوحدة لا تُكتب إلا بالوفاء والدم الطاهر.
تعلموا أن الفداء أحيانًا يأتي بصمت، وبعيدًا عن الأضواء، وأن تضحيات دارفور والمخيمات ومَصْفاةِ الجِيلِي ليست محلية، بل جزء من الدفاع عن كل السودان.
سلامٌ يا وطني.
من الجِيلِي إلى المَسِيكْتَاب، ومن عطبرة إلى فاشر السلطان، تمتد حكاية الوفاء في شرايين السودان.
قد تُشن الحروب على الحقيقة، لكن لا يُمكن محو أثر الدم الذي روى الأرض.
سيبقى الشهداء أحياءً في ذاكرة الوطن، وستبقى القوات المشتركة رمزًا للوحدة والوفاء لا للانقسام.
✨✦✨ سَلامٌ وَأَمَانٌ فَالْعَدْلُ مِيزَان ✦✨✦
✨✦✨ توقيع لا يُنسى ✦✨✦
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
وأنا امرأة أحبت الوطن،
فكان الوطن لها عنوانًا…
امرأة من حبر النار.
✦ بقلم الإعلامية الكاتبة عبير نبيل محمد ✦
