السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتإخضاع القوات المتحالفة لأحكام قانون القوات المسلحة وإشكالية الإدماج في ضوء أتفاق...

إخضاع القوات المتحالفة لأحكام قانون القوات المسلحة وإشكالية الإدماج في ضوء أتفاق جوبا لسلام السودان د/ رجاء عبدالله الزبير الملك

أصدر رئيس مجلس السيادة الإنتقالي قراراً يقضي بإخضاع جميع الكيانات المسلحة المتحالفة مع المؤسسة العسكرية لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة 2007،وتعديلاته
وقد أثار القرار موجة من النقاشات القانونية والسياسية خاصة بالنظر إلى توقيته وسياقه المرتبطين مباشرة بالنزاع الدائر مع قوات الدعم السريع المدعوم سياسياً
وعسكرياً من جهات خارجية ، وما يترتب على ذلك من تعقيدات تتصل باتفاق جوبا لسلام السودان الموقع عام 2020،بين الحكومة الإنتقالية آنذاك وحركات الكفاح المسلح.

يُمثل القرار في جوهره خطوة تنظيمية محكومة بظرف استثنائي ،فهو لا يُنشئ بذاته أي أثر قانوني مباشر في ما يتعلق بعملية الإدماج المؤسسي داخل القوات المسلحة ،ولا يترتب
عليه إعادة هيكلة أو تغيير في الوضع القانوني أو الوظيفي لتلك القوات ،وإنما يقتصر مضمونه على إخضاع الكيانات المتحالفة للولاية القانونية والنظامية للقوات المسلحة خلال هذه
الفترة الحساسة من تاريخ البلاد،في سياق حرب مفتوحة تتطلب تنسيقاً عملياتياً وانضباطاً تنظيمياً منسقاً بين مكونات القوة الفاعلة ميدانياً.
وعلى هذا الأساس ،لا يمكن النظر إلى القرار كبديل لمسار الإدماج المؤسسي المنصوص عليه في إتفاق جوبا ،بل يُعد إجراءً وقائياً موقتاً لضبط العلاقة التنظيمية بين القوات
المسلحة والقوات المتحالفة معها،بهدف الحفاظ على الإنضباط والتنسيق العملياتي في مواجهة التهديدات القائمة ضمن سياق الحرب الراهنة.

من الناحية الدستورية اكتسب إتفاق جوبا حجية دستورية عليا بعد تضميته في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية المعدلة لعام 2020، حيث نصت المادة (79) على أنه جزءاً
لا يتجزأ من الدستور الإنتقالي ،بما في ذلك الترتيبات الامنية التي خضعت بدورها لآليات زمنية وإجرائية محددة،وإشترطت معايير مهنية واضحة في عمليات الدمج ،من تدريب
وتأهيل وتقييم ،مع مراعاة الأقدمية والكفاءة ،وتحت إشراف جهات ضامنة وطنية ودولية ،كما ورد في المواد (26،30،33) من إتفاق جوبا لسلام السودان ،وهذا ما يُحتًم أن أي عملية إدماج فعلية لا يمكن أن تتم بقرار سيادي منفرد أو عبر إجراءات
تنظيمية عارضة ،بل يجب أن تُنفذ وفق الآليات التعاقدية المنصوص عليها صراحة في الإتفاق .

إن إخضاع القوات المتحالفة لأحكام قانون القوات المسلحة لا يُخلّ بهذه الالتزامات طالما أنه لا يُغيّر من طبيعة الترتيبات المتفق عليها، ولا يُعيد توصيف وضع هذه القوات بما
يخالف نصوص الاتفاق،ومن المهم التأكيد على أن الفهم الخاطئ لهذا القرار كبديل عن مسار الإدماج من شأنه أن يقوّض الثقة بين الأطراف الموقعة ويُضعف فرص استكمال السلام، ويُدخل النظام الدستوري في حالة من التناقض بين مقتضيات السيادة الوطنية
وواجبات الالتزام بالاتفاقيات الموقعة والنافذة.

لقد منحت مشاركة حركات الكفاح المسلح في القتال إلى جانب القوات المسلحة ضد تمرد قوات الدعم السريع ، مشروعية مستمدة من قواعد القانون الدولي الإنساني،
وهو ما يستوجب احترام وضعها القانوني الحالي، وتنظيم علاقتها بالمؤسسة العسكرية على نحو لا يتعارض مع مسار السلام، لان الإدماج الإنتقائي أو القسري قد يُهدد وحدة
وتماسك القوات المسلحة، التي تُبنى في جوهرها على معايير الانضباط والمهنية والإحتراف والتدرج الوظيفي العادل ،وأي تجاوز لهذه المبادئ قد يخلق بيئة مشحونة بالاحتكاكات الميدانية والنزاعات الداخلية، ويقوض من وحدة القوات
المسلحة ومشروعيتها ،كضامن للاستقرار الوطني.

ورغم أن بعض بنود اتفاق جوبا المتعلقة بتقاسم السلطة قد دخلت حيّز التنفيذ من خلال تعيين قادة الحركات في مواقع سيادية وتنفيذية، إلا أن المسار الأمني لا يزال معلقاً ،
ويعتمد تنفيذه على مدى التزام الدولة بتطبيق الترتيبات الأمنية بشفافية وجدية،ويمكن قراءة قرار الإخضاع الأخير ضمن هذا السياق،كآلية مرحلية لضبط الأداء وتنسيق
الجهود العسكرية خلال فترة النزاع، وليس كإجراء بديل عن مسار الدمج المؤسسي المفصل في الاتفاق بوضوح.

إن قدرة الدولة على تجاوز التحديات الأمنية الراهنة، وتحقيق الاستقرار المؤسسي المستدام تتوقف على مدى التزامها بتنفيذ اتفاق جوبا نصاً وروحاً، لا وفق التأويلات السياسية
الظرفية ،فالتوازن بين الإجراءات التنظيمية المؤقتة والالتزامات التعاقدية الراسخة الثابتة هو ما
يصنع الفارق بين سلام هش وآخر مستدام، ويحول دون أن تتحول القرارات السيادية إلى أدوات لإعادة تأويل الإتفاقيات حسب مقتضيات اللحظة ،وبهذا المعنى فإن إخضاع القوات المتحالفة لقانون القوات المسلحة يُعد إجراءً تنظيمياً وقتياً ، في حين يظل الإدماج مساراً تعاقدياً واجب الاحترام والتنفيذ الكامل.
27/أغسطس/2025

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات