يحكي ان صياداً خرج فجراً يبحث عن رزقه ، فرأى من بعيد خيالاً يتحرك وسط الضباب ، ظن انه غزالاً فتهيأ للصيد ، لكن عندما اقترب منه وجدها حزمة حطب على ظهر رجل عجوز يسير ببطء ، فقال الصياد “العين ترى ما تريد أن تراه … لكن الحقيقة لا تتكشف إلا عندما تقترب منها ، هذه الحكاية تلخص حال رحلة البرهان المريبة بين الشك والحقيقة ، فما بين ما نسمع وما هو كائن ، تظل المسافة مليئة بالضباب والأسئلة .
إن صح سفر الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى سويسرا ، وإن صحت المفاوضات التي راجت الأنباء بشأنها ، فإن أكثر ما يضاعف الغموض هو صمت مجلس السيادة وغياب المعلومة الصحيحة ، مما يترك الساحة مفتوحة للتأويلات والشائعات ، ويزيد من فجوة الثقة بين السلطة والشعب ، في بلد دفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه ، يصبح غياب الشفافية أخطر من أي تفاوض في الغرف المغلقة .
منذ أن تسربت الأخبار عن هذه الرحلة ، والسرية التي أحاطت بجدولها ولقاءاتها ، تعالت الأسئلة في الشارع السوداني ، هل نحن أمام خطوة طبيعية في مسار الدبلوماسية ، أم أمام مفترق طرق قد يُعيد رسم المشهد السياسي على حساب دماء وأشلاء السودانيين .
الأنباء التي تحدثت عن لقاء البرهان بمسعد بولس ، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية ، اللبناني الأصل الأمريكي الجنسية ، فتحت باب التكهنات على مصراعيه ، فالرجل ليس مجرد دبلوماسي عابر ، بل شخصية ذات صلات عميقة بدوائر صنع القرار الأمريكي ، وامتدادها إلى شبكات ضغط ومصالح سياسية واقتصادية ، وإذا كان اللقاء ذا طبيعة استكشافية أو تفاوضية ، فإن السؤال الأهم : تفاوض على ماذا ؟ ومع من ؟.
السرية التي أحاطت الرحلة إن صحت بدت غير مبررة أمام حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوداني ، لماذا لم يخرج البرهان عبر بوابة المطار ، أمام الإعلام ، ليقول بوضوح إنه ذاهب لحماية الشعب والجيش من أي مساومات ؟ ولماذا ترك الباب مفتوحاً أمام الشائعات التي تتحدث عن قبض ثمن أو صفقة سياسية ، تمهّد لعودة القتلة عبر النافذة بعد أن أُخرجوا من الباب .
اللافت أن هذه الزيارة ومازلت أقول إن صحت جاءت بعد أقل من شهر على إلغاء اجتماع الرباعية المخصص لبحث الوضع في السودان ، والذي كان من المفترض أن يضم الولايات المتحدة ودولاً إقليمية تضم الإمارات التي إعترض السودان على وجودها . إلغاء الاجتماع ، ثم زيارة البرهان المفاجئة للقاهرة ، ثم الحديث عن سفره إلى سويسرا ، هذه الوقائع تشكل سلسلة أحداث مترابطة لا يمكن فصلها بسهولة ، هل كان الإلغاء جزءاً من إعادة ترتيب أوراق التفاوض بعيداً عن الأضواء ؟ وهل القاهرة كانت محطة تمهيدية قبل لقاءات سويسرا ؟
الأكثر إثارة للجدل أن السرية إذا تم اللقاء فعلاً وواقعاً ، لم تصمد طويلاً ، فما إن وصلت الأخبار إلى الإعلام حتى تحولت من مباحثات في الخفاء إلى قضية رأي عام ، هنا يصبح السؤال ، كيف يمكن أن تظل المفاوضات سرية بعد أن أصبحت مادة للعناوين الرئيسية ، وهل كان تسريبها مقصوداً لاختبار رد فعل الشارع ، أم أنها خرجت عن السيطرة .
الشعب السوداني الذي وقف خلف البرهان قائداً للجيش ، يعرف جيداً أن المعركة لم تنتهِ بعد ، وأن أي خطوة قد تمس جوهر التضحيات ستُكتب في سجل التاريخ بمداد أسود ، البرهان نفسه يدرك ذلك ، يعي أن أي إخلال بالعهد ، أو قبول بعودة من ارتكبوا المجازر إلى المشهد ، سيكون بمثابة توقيعه على نهاية مسيرته العسكرية قبل السياسية ، فالسودان ليس كغيره من البلدان ، التي يفرض عليها المتسلطون ما يرون ، والشعب السوداني ليس كسائر الشعوب ، التي تفرض عليها الإتفاقيات المعلبة ، والبرهان يدرك أن آخر أيامه يوم أن يغدر بشعبه ويطعنه في ظهره … لنا عودة .