في بعض الأحيان يكون الفن سلاحاً ناعماً أقوى من الأسلحة الخشنة، وتكون الكلمات أقوى من الرصاص والموسيقى أشد من أزيز الطائرات.. فقد كان الفن السوداني دور الحارس الأمين على حدود المشاعر الوطنية، لاحظ في السنوات الأخيرة تراجع هذا الدور وكاد ان يصل إلى حد الجفاء، ولم تعد الأغاني الوطنية قاسماً مشتركاً على الشفاه وفى القلوب، وإذا يراودنا الحنين نعود إلى أغانى الماضى، ونحتمى بألحان صنعت ذاكرة الوطن.
▪️في زمن مضى كانت الأغنية الوطنية تحل محل الخطب والنشرات، وتملأ القلوب قبل الآذان، فقد كانت المكتبة الوطنية محتشدة بالأغاني الوطنية الخالدة وتظل اغنية صه يا كنار من الأغاني الوطنية الحديثة ونظم كلماتها الشاعر محمود أبوبكر:
صه ياكنار وضع يمينك في يدي… ودع المزاح لذي الطلاقة والدد…صه غير مأمور وهات مدامعاً كالأرجوانة وأبك غير مصفد…سأزود عن وطني وأُهلك دونه يوماً يجئ فيا ملائكة اشهدي… وفى ذات السياق نظم الشاعر عبد الله بشير بعد إنعقاد مؤتمر خريجي المدارس العليا في العام 1938م قصيدة رددها معه كل الشعب إذ غناها حسن خليفة العطبراوي:
يا غريب بلدك يلا لبلدك
سوق معاك ولدك
ولملم عددك
انتهت مددك
وعلم السودان يكفى لكفنك… حيث قدم العطبراوي الكثير من الأغاني الوطنيةمنها أيضاً، (لن أحيد)، للشاعر محي الدين فارس والتي صدح بها (أنا لست رعديداً يكبل خطوه ثقلُ الحديد) كما غنى (أنا سوداني) للشاعر محمد عثمان عبد الرحيم، وأمة الأمجاد ويا وطني الحبيب يا أول وآخر، للطيب حسن الطيب… وكل هؤلاء لم يكونوا مجرد فنانين بل عشاقاً حقيقيين للسودان، حملوا رسالته فى أصواتهم، ورسموا ملامح وجدانه بألحانهم، وغنوا للمجد وردد الشعب معهم النشيد فى لحظات الفرح، واستلهم منهم القوة في، وكانت ألحانهم طوق نجاة فى الأزمات، وصوتاً وطنياً موحداً يجمع السودانين على قلب واحد… لم تكن الأغاني الوطنية ترفاً عابراً أو عبارة عن لحن يملأ الفراغ بين فاصلين إذاعيين فقط، بل كانت دروساً وعبرةً فى الوطنية تلقى على مسامع الشعب فى شكل نغم، وتحفظ فى أعماق الصدور قبل الدفاتر والكراريس،وهى حكايات عشق كتبها العظماء فصارت لحاناً يسكن الوجدان، وجداراً عازلاً بين الأجيال وقوى الشر.
▪️السودان لم يكن مجرد وطن نغنى له، بل وطن يغنى بنا، وطن تحفظه ذاكرة الأغنية قبل كتب التاريخ، وتؤرخ له النوتة الموسيقية، ومن يشكك فى عشق السودانين لأرضهم، لا يعرف أن الوطن محفوظ فى طبقات الصوت ونبض الإيقاع، ودمعة تنزل كلما سمعنا: وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود وطني… وقد رفض مدير الإذاعة متولي عيد إذاعتها خوفاً من غضبة البريطانيين إلا بعد توسط الدكتور عبد الله الطيب محتجاً بأن ذلك هو نوع الغناء المطلوب في تلك الأيام زعزعة للمستعمر. وفي العام 1955م والسودانيين يتاهبون لنيل الاستقلال بعد حصول بلادهم على حق تقرير المصير قدم الفنان احمد عبد الرازق نشيد (ياجنود الوطن زودوا بالسلاح عن حياض الوطن) اليوم نرفع راية استقلالنا: في اليوم الأول من يناير 1956م قدم المطرب عبد العزيز محمد داؤود نشيداً للشاعر مبارك المغربي يصور احتفال الشعب بتحرره من الاستعمار، قم ترى الشعب الفتيا يملأ الأرض دويا/ هاتفاً للمجد هيا نعتلي هام الثريا / قطرنا اليوم استقلال. كما قدم الفنان سيد خليفة أغنية (يا وطني يابلد أحبابي) من نظم الشاعر إبراهيم. ولعل من أشهر هذه الأناشيد التي صيغت معبرة عن فرحة استقلال الوطن ونيله لحريته مانظمه الشاعر عبد الواحد عبد الله، وتغنى به وردي اليوم نرفع راية استقلالنا، والتي كان يتغني بها الشعب السوداني في كل مكان… من الملاحظ أن تنوع الاهتمام بالاغنية الوطنية على مدار تاريخها صعوداً و هبوطاً كما وكيفا لكنها تظلت محور الإهتمام و فى القلب على كل الاوضاع و كل الاحيان لكننا للاسف نفتقدها بشدة الان بالصورة التي تواكب قضايا الساعة الراهنة والملحة على كافة المحاور فما احوجنا الى عودتها بنفس القوة لتلعب دورها المؤثر الخطير وهى دعوة مفتوحة لكل صناع الاغنية الوطنيبن الشرفاء ليخرحوا ما لديهم من موهبة وقدرات لصالح الوطن في معركة الكرامة.