الجمعة, نوفمبر 6, 2026
الرئيسيةمقالات(قحت ) وحلم العودة الى الحكم عبر حوار إقصائي ...

(قحت ) وحلم العودة الى الحكم عبر حوار إقصائي د. محمد المنير أحمد صفي الدين

السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير أزماته القديمة، ولا إلى استبدال حرب البنادق بحرب جديدة على حق السودانيين في أن يكونوا شركاء في تقرير مستقبل بلادهم. وبعد كل ما دفعه الشعب من دماء وتشريد ودمار وانهيار لمؤسسات الدولة، ينبغي أن يكون الدرس الأهم واضحاً: لا يمكن بناء السودان مرة أخرى بالإقصاء، ولا يمكن تحقيق السلام بتقاسم السلطة بين عدد محدود من القوى السياسية، ثم مطالبة بقية السودانيين بالقبول بما تقرره نيابة عنهم. بحسب ما أوردته بعض القنوات الإخبارية، وما سمعته كذلك من دبلوماسيين غربيين تحدثت إليهم مؤخراً، طرحت “صمود” خلال اجتماعاتها مع الخماسية في أكتوبر 2026 تصوراً يقضي بحصر أطراف الحوار السوداني-السوداني في ثلاث كتل رئيسية: “صمود”، و”تأسيس”، و”الكتلة الديمقراطية”، بدلاً من فتحه أمام الطيف الأوسع من القوى السياسية والمجتمعية السودانية. وإذا صح هذا الطرح، فإنه يثير سؤالاً جوهرياً يتجاوز الخلاف حول أسماء المشاركين: بأي حق يُختزل السودان، بكل تنوعه السياسي والاجتماعي والجغرافي، في ثلاث كتل فقط؟ وللتذكير، فإن جذور هذه الكتل الثلاث تعود، بصورة أو بأخرى، إلى التحالفات التي تشكلت في محيط قوى إعلان الحرية والتغيير “قحت” خلال الفترة الانتقالية، قبل أن تتسع خلافاتها الداخلية وتتشعب مساراتها لاحقاً. ومن هنا يصبح التساؤل مشروعاً: هل نحن أمام حوار سوداني جديد يعالج أسباب الأزمة، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب التحالف القديم “قحت” في صيغة جديدة تمهد للعودة إلى السلطة؟ أولاً: انقسامات سياسية أم صراع على السلطة؟ منذ الانقسام الأول الذي برز بوضوح داخل “قحت” مع اعتصام القصر الجمهوري، المعروف شعبياً بـ”اعتصام الموز”، وما أعقبه من تبلور “الكتلة الديمقراطية”، مروراً بالانقسامات اللاحقة التي أفرزت “صمود” و”تأسيس”، بدا أن المسافات بين هذه القوى أصبحت واسعة إلى حد يصعب معه تصور عودتها إلى منصة سياسية واحدة. لكن طرح حوار يقتصر عليها يعيد فتح السؤال حول طبيعة تلك الانقسامات نفسها. فإذا كانت الخلافات بين هذه المكونات خلافات جوهرية حول مستقبل السودان، وشكل الدولة، والحرب والسلام والديمقراطية، فكيف يمكن أن تصبح هذه القوى الثلاث وحدها الإطار المقترح للحوار السوداني؟ أما إذا كان ممكناً تجاوز تلك الخلافات عندما يتعلق الأمر بترتيبات السلطة المقبلة، فإن ذلك يدفع كثيراً من السودانيين إلى التساؤل عما إذا كانت الانقسامات السابقة قد تعلقت، في جانب مهم منها، بالتنافس داخل “قحت” على السلطة والنفوذ أكثر من تعلقها بخلافات مبدئية حول مشروع الدولة. السودان أكبر من “قحت”، وأكبر من خصومها، وأكبر من أي تحالف سياسي مهما علا صوته أو اتسعت علاقاته الخارجية. وديسمبر ليست إرثاً حزبياً يحتكره تحالف، بل عهداً وطنياً كتبه السودانيون بتضحياتهم. ثانياً: الديمقراطية تبدأ من حق الآخرين في المشاركة لا يمكن الحديث عن الديمقراطية ثم تحديد من يحق له الجلوس إلى طاولة الحوار ومن يفرض عليه أن يبقى خارجها. الديمقراطية ليست مجرد شعار، وليست امتيازاً تمنحه مجموعة سياسية لمجموعة أخرى. إنها، في جوهرها، اعتراف بحق السودانيين في الاختلاف، وفي التنظيم، وفي المشاركة، وفي أن يختاروا عبر انتخابات حرة ونزيهة من يفوضونه لإدارة دولتهم. كيف يمكن، بعد هذه الحرب الكارثية تحديداً، التفكير في بناء شرعية سياسية جديدة بإقصاء التنوع السوداني الهائل؟ إن أي عملية سياسية تبدأ بتحديد من يجب استبعاده تحمل في داخلها بذور الأزمة المقبلة. ثالثاً: أسئلة مشروعة أمام “الكتلة الديمقراطية” يثير غياب موقف معلن وقاطع، بحسب ما هو متاح، من بعض مكونات “الكتلة الديمقراطية” تجاه مقترح حصر الحوار في الكتل الثلاث تساؤلات تستحق إجابات واضحة، ولا سيما من حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان. فهاتان الحركتان تقدمان نفسيهما بوصفهما ممثلتين لقضايا مناطق عانت طويلاً من الحرب والتهميش، كما أن الحرب الحالية أوقعت على مجتمعات دارفور انتهاكات جسيمة ومآسي إنسانية هائلة. ومن هنا يبرز السؤال السياسي والأخلاقي: إذا جلست الحركتان إلى طاولة واحدة مع “تأسيس”، فما الأسس التي ستحكم هذا الحوار؟ وأين ستكون قضايا الضحايا والمساءلة والعدالة ومستقبل دارفور من أي تفاهم سياسي محتمل؟ المشكلة ليست في الحوار نفسه؛ فالحوار مع الخصوم قد يكون ضرورياً لإنهاء الحروب. المشكلة تكمن في أن يتحول الحوار إلى صفقة سياسية تسبق العدالة وتتجاوز الضحايا، أو إلى ترتيب لتقاسم السلطة لا يعكس إرادة السودانيين. وهذه أسئلة لا ينبغي مواجهتها بالتخوين، بل بإجابات سياسية واضحة أمام الشعب. رابعاً: من يملك حق التحدث باسم السودان؟ لا “صمود”، ولا “تأسيس”، ولا “الكتلة الديمقراطية”، ولا أي قوة منفردة أخرى تستطيع أن تدعي امتلاك تفويض سياسي شامل من الشعب السوداني، في غياب انتخابات حرة تمنح هذا التفويض. ومن الخطورة بمكان أن يُصنع مستقبل السودان في العواصم الخارجية ثم يُقدَّم للسودانيين باعتباره أمراً واقعاً. نعم، يحتاج السودان إلى المجتمع الدولي لإنهاء الحرب، وتخفيف المعاناة الإنسانية، ودعم السلام وإعادة الإعمار. لكن هناك فارقاً جوهرياً بين مساعدة السودانيين على الوصول إلى حل وبين اختيار من يتحدث باسمهم أو تحديد من يحكمهم. السيادة ليست شعاراً يُرفع في مواجهة الخارج حيناً ويُنسى حيناً آخر. السيادة الحقيقية تعني، قبل كل شيء، أن يكون للشعب السوداني الحق النهائي في تحديد شكل دولته واختيار حكامه. خامساً: “قحت” والشرعية الثورية التي أهدرتها بنفسها من أكثر الحجج التي استندت إليها “قحت” منذ وصولها إلى السلطة في 2019 ادعاؤها تمثيل ثورة ديسمبر وامتلاكها، بالتالي، شرعية ثورية تخولها قيادة المرحلة الانتقالية. غير أن هذه الشرعية لا يمكن أن تظل صكاً مفتوحاً إلى الأبد، خصوصاً عندما تتناقض الممارسة السياسية مع المبادئ التي قامت عليها الثورة. لقد كان من أوضح شعارات شباب الثورة: “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”. لكن “قحت” نفسها اختارت الشراكة السياسية مع المؤسسة العسكرية، وقبلت ترتيبات وضعت قائد الجيش على رأس مجلس السيادة وقائد الدعم السريع نائباً له. وبذلك انتقلت من شعار إنهاء الحكم العسكري وتفكيك المليشيات إلى تقاسم السلطة مع القوتين اللتين طالبت الثورة بإبعادهما عن الحكم. ثم جاءت الخطوة الثانية عندما شاركت “قحت” في ترتيبات اتفاق جوبا التي أعادت تشكيل معادلة السلطة خلال الفترة الانتقالية، ووسعت دائرة المحاصصة السياسية والعسكرية على حساب الانتقال نحو دولة مدنية يحتكم فيها الجميع إلى إرادة الشعب. أما الاختبار الثالث، والأشد إيلاماً، فكان قضية فض اعتصام القيادة العامة. فقد بقيت العدالة للضحايا الذين اشعلوا الثورة وزادوا عنها معلقة، بينما استمرت ترتيبات السلطة والشراكات السياسية. ولا يمكن لقوة تستمد شرعيتها من دماء الثورة أن تفصل بين حقها في الحكم وحق ضحايا الثورة في العدالة. ثم جاءت الحرب لتكشف التناقض الأخطر. فمن رحم “قحت” خرجت “تأسيس”، التي تمثل الواجهة السياسة لمليشيا الدعم السريع، في وقت ارتبطت فيه اسم المليشيا بانتهاكات واسعة ودمار وتشريد طال ملايين السودانيين. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن الاستناد إلى شرعية ثورة رفعت شعار “الجنجويد ينحل”، بينما انتهى جزء من القوى المنحدرة من تحالفها السياسي إلى الاصطفاف مع الدعم السريع؟ لهذا فإن المشكلة ليست أن الشرعية الثورية “انتهت” بمرور الزمن فحسب، وإنما أن “قحت” أهدرت جانباً جوهرياً من رصيدها الثوري عبر خياراتها وممارساتها السياسية نفسها. الشرعية التي تمنحها الثورة تُصان بالوفاء لمبادئها، وتسقط حين تتحول تلك المبادئ إلى مجرد وسيلة للعودة إلى السلطة ومن يريد اليوم أن يتحدث باسم ثورة ديسمبر، فعليه أولاً أن يجيب أمام السودانيين عن المسافة التي فصلت بين شعارات الثورة وممارسات حكم “قحت”، وبين وعد الدولة المدنية ومحاصصات السلطة، وبين مطلب تفكيك المليشيات والتحالف معها. ثورة ديسمبر أكبر من “قحت”، وأكبر من خصومها، وشرعيتها ملك للشعب السوداني الذي صنعها، لا لمن حكم باسمه. السودان يحتاج إلى حوار لا يخاف من الشعب في مقابل مشاريع الحوار المحدودة، تتصاعد الدعوات إلى حوار سوداني-سوداني واسع يجمع القوى السياسية والمجتمعية وممثلي الشباب والنساء والنازحين واللاجئين والأكاديميين والإدارات الأهلية والطرق الصوفية وغيرها من مكونات المجتمع، بهدف معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي قادت إلى الحرب، وليس فقط الاتفاق على من يجلس على مقاعد السلطة بعدها. وهنا تكمن المسألة الحقيقية. السودان لا يحتاج إلى حوار يعيد توزيع كراسي السلطة بين النخب القديمة. يحتاج إلى حوار يسأل أولاً: لماذا فشلت الدولة السودانية في منع الحرب؟ لماذا ظلت السلطة والثروة موضع صراع مسلح منذ الاستقلال؟ كيف نبني جيشاً وطنياً واحداً ودولة مؤسسات؟ كيف تتحقق العدالة للضحايا؟ وكيف نضمن ألا تأخذ نخبة جديدة السودان إلى حرب أخرى بعد سنوات قليلة؟ بعد كل هذا الموت والدمار والنزوح، ليس من المقبول أن يعود السودان إلى نقطة الصفر. ولا ينبغي أن يكون السؤال: من يعود إلى الحكم؟ بل يجب أن يكون: كيف نستعيد للسودانيين حقهم في أن يحكموا أنفسهم؟ وهنا يصبح الاختيار واضحاً بين مسارين: حوار محدود ترسم أطرافه قوى سياسية بعينها، وحوار وطني واسع لا يجعل الاختلاف السياسي سبباً للإقصاء، ولا يمنح أي تحالف حق احتكار تمثيل الشعب. فهل يستويان؟ هل يستوي حوار سوداني شامل يسعى إلى معالجة جذور الحرب وبناء توافق وطني واسع، مع عملية سياسية تبدأ بتحديد ثلاثة أطراف وتطلب من بقية السودان انتظار ما ستقرره؟ لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً بسبب سياسة الإقصاء والاستحواذ والصراع على السلطة. وإذا كان لهذه الحرب المدمرة من درس ينبغي ألا ننساه، فهو أن السودان لا يمكن أن يُبنى بإقصاء بعض أهل السودان لبعضهم. ليتحاور الجميع. وليضع الجميع رؤاهم أمام الشعب. وليتنافسوا سلمياً على خدمة السودان. ثم ليكن الحكم في النهاية لصندوق الانتخابات، لا لقوة السلاح، ولا لصفقات النخب، ولا لإرادة العواصم الخارجية. فالسودان ليس غنيمة تتقاسمها التحالفات السياسية. السودان وطن، وصاحب الحق الأول والأخير فيه هو الشعب السوداني

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات