الجمعة, أكتوبر 30, 2026
الرئيسيةمقالات#اقتصاد_الكراهية ...

#اقتصاد_الكراهية من برلين إلى الخرطوم.. كيف يتحول الماء والذهب إلى هوية كتب: أمين عبدالماجد أحمد امين

لا ينهض أي مشروع تقسيم على ثروة وممر فحسب، بل على قدرته على تعبئة المقاتل. والتعبئة لا تتم بعقد تعدين، بل بتحويل الجغرافيا إلى هوية.

تلك هي قاعدة مؤتمر برلين (1884-1885) غير المكتوبة، والتي انتقلت اليوم من الاستعمار الرسمي بين الإمبراطوريات إلى الاستعمار الجديد عبر الشركات والمرتزقة: لا عبور إلى الذهب دون السيطرة على الماء، ولا سيطرة على الماء دون شطر المجتمع إلى أصل ودخيل. والماء هنا نهرٌ وميناءٌ معًا.

أولًا: أنسنة الجغرافيا
يُحوَّل المورد من معطًى اقتصادي إلى علامة بيولوجية. يصبح النهر نسبًا، والصحراء عرقًا، والذهب دمًا. فيُقال: أهل النهر متحضرون، وأهل الصحراء غزاة، أو العكس. وهو تحويل متعمد ينقل الصراع من سؤال العدالة في توزيع الثروة إلى سؤال الوجود ذاته.

ثانيًا: الكراهية كاقتصاد حرب
الكراهية هي أرخص سلاح للتعبئة. لا أحد يموت من أجل بورصة المعادن، لكنه يموت ثأرًا. لذا، ومع اختلاف طبيعتها القانونية والسياسية، إلا أنها تشترك في آلية واحدة: تستتر كل مشاريع الاستخراج خلف خطاب تطهيري. بوكو حرام لا تتحدث عن نفط البحيرة بل عن الردة، وفاغنر لا تتحدث عن الماس بل عن حماية المسيحية، وخطاب البحر والنهر لا يتحدث عن موانئ الذهب بل عن السيادة العرقية.

الكراهية هنا ليست عرضًا جانبيًا، بل هي البنية التحتية اللوجستية للنهب، كما يسميه David Keen: “الحرب كاقتصاد بديل”.

ثالثًا: المخاوف لا المظالم
يجب التدقيق هنا: هذه الخطابات، على اختلافها، لها جمهور حقيقي، لكن بلا شرعية مظالم ولا قضية سياسية وجيهة تؤسس لفرضية عادلة للتقسيم. ما لها هو مخاوف حقيقية، مؤسسة على غريزة البقاء، ومتعلقة بانقلاب متوهم لدورة التاريخ.

إنه الخوف من اختبار تجربة التهميش ذاتها، والخوف من تحمّل فاتورة تسويات الاستئثار التاريخي بالسلطة والثروة، كما يروج له الخطاب المظلوماتي القديم والمتجدد. ويضاف إليه خوف ثالث: الخوف على هوية البلاد، سواء وُصفت بأنها إسلاموعربية أو آفروسودانية.

هذه المخاوف واقعية ومفهومة، لكنها ليست مشروعًا سياسيًا. فالخوف لا يبني دولة، بل يبني معسكرًا.

رابعًا: زيف التباين.. العلم في مواجهة الأسطورة
مشروع التقسيم الاجتماعي مشروع كذوب، لأنه يتأسس على فرضية نقاء عرقي لا وجود لها.

لغويًا، ظلت العربية لغة التواصل بين مكونات السودان كافة، من حلفا إلى نمولي، قبل انفصال الجنوب وبعده. وهي رابطة ثقافية وسياسية، لا بيولوجية.

أما جينيًا، فتنهار أسطورة النقاء أمام المختبر. تشير مجمل الدراسات الجينية الحديثة، ومنها دراسة Dobon وآخرون (2015) ودراسة Hollfelder وآخرون (2017)، إلى أن معظم السودانيين خليط من المكونات نفسها بنسب متفاوتة، مع استمرارية جينية عمرها آلاف السنين.

والخلاصة ليست أنه لا يوجد تباين، بل أنه لا يوجد نقاء. التباين الثقافي حقيقة وغنى، لكن تحويله إلى نقاء بيولوجي هو الوهم الاستعماري ذاته.

خامسًا: ما القبيلة إذًا؟
القبيلة ليست كيانًا صخريًا متكلسًا. هي مؤسسة اجتماعية حية؛ نظام ملكية للأرض، ونظام حماية، ونظام زواج، ونظام اقتصاد، يعبر عن نفسه ثقافيًا ولغويًا عبر منظومة قيم. ولأنها كائن حي، فهي تختلط وتمتزج وتعيد إنتاج ذاتها وتطويرها.

سادسًا: فلسفة اللون كإعادة تدوير لرمزية 1956
المتتبع للرمزية البصرية للمشاريع السياسية الصاعدة يلاحظ تقاطعًا لافتًا. فعلم السودان الأول (1956-1970) قام على ثلاثية: الأزرق (النيل)، والأصفر (الصحراء)، والأخضر (الوادي).

المشاريع الراهنة، على تناقضها الظاهري، تعيد تدوير هذه الثلاثية بشكل مجزأ:

  • بعضها يرفع الأصفر مركزًا: إحالة إلى الذهب، ورسالته: “ثروتك لك وحدك” للداخل، و”استثمارك محفوظ” للخارج.
  • وبعضها يرفع الأزرق مركزًا: إحالة إلى البحر والنيل، ورسالته: “أنا أحميك من المركز” للداخل، و”ممرك آمن” للخارج.

ليست الألوان هي المشكلة، بل تحويلها من رمز وطني جامع إلى هوية بيولوجية مغلقة.

سابعًا: صمام الأمان.. الوعي كأثر لجرح الجنوب
الوعي المتنامي اليوم بوحدة البلاد ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو أثر مباشر لجرح الانفصال. فقد كشف انفصال 2011 عن مفارقة بنيوية: أن قرارًا بهذا الحجم اتُخذ عبر تسوية بين نخبتين مركزيتين استندت إلى نيفاشا (2005)، دون تفويض واسع من المؤسسات القاعدية.

ثامنًا: الخلاصة.. وجه آخر للفرز
لأن الفرز ليس مجرد خطاب في الهواء، بل جرح يسكن الجسد، أختم بحكاية ليست لفرد بل لجيل كامل.

أعرف جيلاً، نرمز له بجيل (أ). جيل جامعي، نشأ وتربى على هامش الجزيرة، “حيث يعمل في أرض يبيع قوة إنتاجه للمالك”، وينتمي للوطن ولا يُعترف بمواطنته الكاملة. من ذلك الجرح المزدوج، لم يذهب ليطلب وظيفة، بل ليطلب معنى واعترافاً. فحمل السلاح لسنوات تحت راية إحدى حركات تحرير الهامش، مدفوعاً بحلم العدالة لا بالغنيمة.

ثم جاءت التسوية، ونزل إلى الخرطوم بعد اتفاقية سلام الدوحة 2011، وجلس في مواقع تنفيذية لسنوات، ظناً منه أن الدولة أخيراً اتسعت له.

ثم جاءت حرب 15 أبريل، فانهار المركز نفسه الذي احتمى به. ووجد نفسه مرة أخرى بلا أرض صلبة، بلا مؤسسة تحميه كمواطن. فعاد ليمارس نفس الدور القديم: البحث عن حاضنة تحميه، لكن هذه المرة تحت راية نقيضه تماماً.

جيل (أ) ليس حالة شاذة ولا خائناً بطبعه، بل هو النموذج الأكثر تبلوراً لظاهرة بنيوية: عشرات من أبناء الهامش الذين ينتقلون من حركة إلى حركة، ومن راية إلى راية، ليس لانعدام المبدأ، بل لانعدام المؤسسة التي تمنحهم الاعتراف كمواطنين دون الحاجة لولي نعمة قبلي أو عسكري أو حزبي.

وهنا تكمن خلاصة اقتصاد الكراهية: هو لا يصنع مقاتلين، بل يعيد تدوير ضحايا التهميش ليصبحوا وقوداً لمشاريع النخبة.

مشروع التقسيم في جوهره ليس مشروع شعب يبحث عن عدالة، بل مشروع نخبة تخاف فقدان امتيازها التاريخي. ومخاوفها وإن كانت مفهومة، إلا أنها بلا شرعية تؤسس لدولة.

إلا أن اعتمادها لخطاب الكراهية والتمييز، سيحولها من خصم سياسي له مخاوف، إلى جبهة وطنية قوية لاحتوائها وإعادة تأسيس عقد جديد، عقده الوحيد: المواطنة بلا ولي نعمة.

فالكراهية ليست رأياً، بل جريمة ضد الدولة، لأنها تقوض دستورها وتهدد أمنها القومي.

لذلك، فإن معركتنا ليست بين نهر وصحراء، ولا بين أزرق وأصفر، بل بين مشروعين: مشروع وطن بثروته وممره، ومشروع منظومة مستعدة لبيع الوطن كله كي لا تفقد امتيازها. لذلك، فإن #مبادرة_الونسه ليست ترفا ولا محفلا تقليديا للوجاهة، بل هي ضرورة أمن قومي ومشروع سوداني طموح لكسر اقتصاد الكراهية والعودة إلى عقد المواطنة بلا سيد وبلا ولي نعمة.

#اقتصاد_الكراهية #مبادرة_ونسة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات