شراكات دولية واتفاقيات معلنة، وبنية تحتية مستنزفة… لماذا نبحث عن الإعمار قبل أن نحمي ما تبقّى؟
السودان يبحث عن الشراكات الدولية، ويطرق أبواب الاستثمار، ويشارك في المحافل الإقليمية والدولية، وآخرها القمة الروسية الإفريقية برئاسة رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. عقود طويلة من العلاقات الدبلوماسية السودانية الروسية، ومباحثات حول الطاقة والنفط والتعدين والزراعة والنقل والبنية التحتية وإعادة الإعمار.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بعيداً عن لغة البيانات الرسمية: ماذا استفاد السودان فعلياً من هذه الشراكات؟ وهل انتقلنا من مرحلة التفاهمات والاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ؟ وأين المشروعات التي دخلت حيز الإنتاج؟ وأين التمويلات والاستثمارات التي يمكن أن يلمس المواطن أثرها؟
لسنا ضد الشراكات الدولية، ولا ضد توسيع علاقات السودان الاقتصادية، لكننا نريد أن نعرف: ما الذي تحقق؟ وما الذي بقي حبراً على ورق؟ وما الضمانات التي تجعل هذه الاتفاقيات مشروعات حقيقية، لا مجرد عناوين تتكرر في كل مناسبة؟
وهل حصل السودان على تمويلات محددة لتنفيذ هذه المشروعات؟ وهل هناك جداول زمنية واضحة والتزامات معلنة؟ وما المشروعات التي انتقلت فعلياً من مرحلة التفاهم والتوقيع إلى مرحلة التنفيذ والإنتاج؟ أم أننا ما زلنا ننتقل من اجتماع إلى آخر، ومن مذكرة تفاهم إلى أخرى، دون حصيلة تنفيذية معلنة؟
فالعلاقات الدولية لا تُقاس بعدد اللقاءات، ولا بعدد الاتفاقيات التي تُعلن، وإنما بما يتحول منها إلى
مشروعات قائمة، وفرص عمل، وإنتاج، وخدمات، وعائد اقتصادي يشعر به المواطن. وما نحتاج إليه ليس مجرد فتح أبواب الاستثمار، بل معرفة ما الذي دخل منها إلى أرض الواقع، وما الذي لا يزال ينتظر التنفيذ.
حرب المسيّرات واستهداف البنية التحتية: هيا وشندي وجرح المياه والكهرباء
وفي الوقت الذي تبحث فيه الدولة عن استثمارات لإعادة بناء الاقتصاد، تتعرض مقومات هذا الاقتصاد لاستهداف متكرر. حرب المسيّرات لم تعد مجرد تطور في المواجهات العسكرية، بل أصبحت تهديداً مباشراً للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
خلال أيام قليلة، شهدت محطات الكهرباء في عدد من الولايات استهدافات متكررة؛ من سنار والقضارف والجزيرة والنيل الأبيض، إلى محطة المرخيات بأم درمان، ومحطة أم دباكر في ربك، وصولاً إلى استهداف محطة الكهرباء في شندي بولاية نهر النيل، وما تلاه من استهدافات متقطعة وممنهجة لمضخات المياه عن طريق البحر الأحمر، ومسيرات الغدر التي استهدفت منطقة هيا، في مسلسل إجرامي متواصل لا ينقطع يستهدف تركيع الإنسان وحرمانه من أبسط مقومات البقاء.
وهنا لا بد أن نتوقف ونسأل: إلى متى يستمر استنزاف مقدرات الدولة؟ ومن يحمي المنشآت الحيوية؟ وهل لدينا خطة واضحة لحماية محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات ومرافق الإنتاج؟ ولماذا لا تتحول الدروس المستفادة من الاستهدافات السابقة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار الخسائر؟
إن خراب محوّل كهربائي واحد لا يعني مجرد انقطاع التيار؛ بل قد يعني تعطّل المياه، وتأثر المستشفيات، وتوقف المصانع، وتعطّل الأسواق، وتكبيد الاقتصاد خسائر إضافية. فكيف نبحث عن إنعاش اقتصاد أنهكته الحرب، بينما تتعرض مقومات تشغيله للتدمير المتكرر؟
إن حماية البنية التحتية ليست مسألة خدمية عابرة، بل هي جزء من حماية الأمن القومي والاقتصادي للدولة.
فكل منشأة إنتاجية تتعطل، وكل محطة خدمة تخرج عن العمل، تضيف عبئاً جديداً إلى فاتورة الحرب، وتضاعف معاناة المواطن، وتؤخر فرص التعافي. وحماية ما تبقّى من مقدرات الدولة يجب أن تكون أولوية لا تقل أهمية عن إعادة إعمار ما دُمّر.
حماية البنية التحتية: لماذا لا تسبق الحمايةُ إعادةَ الإعمار؟
وهل المشكلة في عجز الدولة عن حماية منشآتها، أم في غياب استراتيجية وطنية لإدارة الحرب وخطة تحمي الاقتصاد والمواطن؟
وهنا نعود إلى السؤال الأكبر: لماذا ندور في حلقة مفرغة؟
لماذا لا نحمي المواقع الخدمية بدلاً من الاكتفاء بأعمال الإعمار والمبادرات التي لا نرى لها أثراً ملموساً؟ لماذا لا تكون حماية ما تبقّى من الاقتصاد أولوية تسبق إعادة بناء ما يتعرض للتدمير مرة أخرى؟
لماذا لا نتعلم ونطوّر أداءنا من أخطائنا؟ أم أعجبنا أن ندين ونستنكر؟ أَصَحَتْ حكومتنا حكومةً للإدانات فقط؟ أم أن البكاء على ما يُدمَّر أصبح عادة لا نستطيع التخلي عنها؟
الإدانة موقف، لكنها ليست خطة حماية. والاستنكار لا يعيد الكهرباء، ولا يشغّل المستشفيات، ولا يعوّض خسائر الإنتاج. المواطن لا ينتظر بياناً جديداً بقدر ما ينتظر خدمة مستقرة، وإجراءات تحمي حياته ومصالحه.
ويُقال إن من يريد تحطيم السودان هم الخارج، وأنا أقول إن الخطر لا يأتي من الخارج وحده؛ فهناك مسؤولية داخلية لا يجوز تجاهلها. من يريد قتل آخر ذرة نفس في السودان هم أصحاب اللاشرعية، وأصحاب أشباه الحزبية، وأصحاب الأجندات، وكل من يتخذ من معاناة الشعب وسيلة للنفوذ والمصلحة، ومن دماء المواطنين مورداً لصناعة إمبراطوريات الحرب والثراء.
إن من يقدّم أجندته على الوطن، ومن يستفيد من استمرار الفوضى، ومن يتعامل مع مقدرات الدولة كأنها غنيمة، يشارك في استنزاف مستقبل السودان. ولا بد من كشف الحقائق ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيداً عن الشعارات والاتهامات المجردة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤتمرات وحدها، ولا إلى قوائم جديدة من الاتفاقيات التي لا نعرف مصيرها. نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية لحماية المنشآت الحيوية، وخطط لاستمرارية الخدمات، وشفافية في إعلان الخسائر، ومحاسبة عن أوجه القصور، وشراكات اقتصادية تنتقل من التوقيع إلى الإنتاج.
فهل نحن نبني اقتصاداً قادراً على الصمود، أم نكتفي بإعادة بناء ما تفقده الحرب، دون أن نمنع تكرار الخسارة؟
ما قيمة الحديث عن إعادة الإعمار إذا لم تصاحبه رؤية تمنع تكرار التدمير؟ وما قيمة الشراكات الاقتصادية إذا لم تُترجم إلى قدرة حقيقية على حماية الإنتاج والخدمات؟ إن الدولة التي لا تحمي ما لديها، ستظل تدفع كلفة إعادة بنائه، مرة بعد أخرى، من موارد شعب أنهكته الحرب.
فما قيمة الاستثمار إن لم نحمه؟ وما جدوى الإعمار إن كنا نعيد بناء ما يُدمَّر كل يوم؟ وما قيمة السلطة إن لم تكن أولى مسؤولياتها حماية المواطن ومقدرات وطنه؟
السودان ليس مشروعاً لتجارب الفشل، وليس غنيمةً لمن يتقاسمون موارده، وليس وطناً قابلاً للاستنزاف إلى ما لا نهاية.
السودان يحتاج إلى من يحميه، لا إلى من يرثيه بعد كل كارثة.
تَبّاً لكم، وللتراب الذي داسته ودنّسته أقدامكم.
✍️…..
أنا الرسالة حين يضيع البريد..
أنا امرأة من حبر النار..
حين يتهاوى البنيان وينزف الوطن، أضع بصمتي لأقول إن من يفرّط في ثغر الكهرباء والماء ومضخات الحياة، ويترك المرافق عرضة لعفن العبث والدمار.. لا يُؤتمن على وطن، ولا يليق به كرسيّ إعمار.
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان..
✒️ عبير نبيل محمد
