في تصعيد جديد لاستهداف محطات الكهرباء ، عاودت المليشيا استهداف منشآتها الحيوية ، فبعد الهجمات التي طالت محطتي الحواتة والفاو التحويليتين للكهرباء ، تعرضت محطة المرخيات التحويلية غربي أم درمان لأضرار جسيمة أخرجتها عن الخدمة ، في مشهد يؤكد استمرار استهداف البنية التحتية وضرب مقومات الحياة ، ووضع المواطن في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب.
والسؤال البديهي إذا كانت المليشيا تخوض حرباً ضد القوات المسلحة ، فما علاقة محطات الكهرباء بهذه الحرب ، وهل يؤدي قطع التيار عن المنازل والمرافق الصحية والخدمية إلى تحقيق انتصار عسكري ، أم أنه يكشف عن عجز عن تحقيق الأهداف في ميادين القتال ، ومحاولة تعويض الهزائم بإيلام المواطنين.
إن استهداف محطات الكهرباء والمرافق المدنية يكشف طبيعة النهج الذي تتبعه المليشيا منذ اندلاع الحرب ، فكلما ضاق عليها الخناق في مسارح العمليات ، وتوالت عليها الهزائم ، اتجهت إلى ضرب المنشآت الحيوية ، وكأنها تريد أن تجعل من المواطن رهينة لمعركة لا يد له فيها ، سوى انه يقف خلف جيشه ، فالانتصار يا أيها الملايش ليس بعدد المحولات المحترقة ، ولا بحجم الأحياء التي تغرق في الظلام ، وإنما بالقدرة على تحقيق الأهداف العسكرية ، لا بتحويل حياة المدنيين إلى ساحة للعقاب الجماعي.
وتتجاوز خطورة هذه الهجمات حدود الانقطاع المؤقت للكهرباء ، إذ تمتد آثارها إلى المياه والمستشفيات ومراكز الخدمات ، وتزيد الضغط على الأسر والقطاعات الإنتاجية ، وتضع العاملين في قطاع الكهرباء أمام تحديات كبيرة لإعادة تشغيل المحطات وإصلاح ما دمرته الاعتداءات.
أما الدعم الخارجي الذي تتلقاه المليشيا ، فقد كشفت الأدلة والتقارير الموثقة عن أبعاده ومساراته ، وفي مقدمتها الدعم من دولة الإمارات ، فلولا دعمها لتلاشت المليشيا من خارطة الكرة الأرضية ، كما تثير المعلومات المتعلقة بانطلاق المسيرات الأخيرة عبر الأراضي الإثيوبية تساؤلات خطيرة ، بشأن استخدام أراضي الجوار في تهديد أمن السودان وسيادته ، فالسودان الذي امتدت أياديه بالخير إلى جيرانه ، لا يستحق أن تُستخدم أراضيهم أو أجواؤهم منطلقاً لاعتداءات تستهدف منشآته المدنية ومقومات حياة شعبه ، إن هذه الوقائع تستوجب مواقف واضحة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تقديم الدعم أو تسهيل الهجمات على الأعيان المدنية السودانية.
ويثير هذا الاستهداف المتكرر تساؤلات مشروعة بشأن صمت المجتمع الدولي ، ومواقف الدول التي تنصّب نفسها حاميةً لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب ، بينما تتعرض المنشآت المدنية في السودان لهجمات متواصلة تطال حياة المواطنين ومصادر خدماتهم الأساسية. فأين هذه الشعارات من استهداف محطات الكهرباء والمرافق الحيوية ؟ وهل أصبح غض الطرف عن هذه الانتهاكات أمراً مقبولاً حين تصدر عن أطراف تتماشى ممارساته مع سياسات بعض هذه الدول ومصالحها ، إن مصداقية المجتمع الدولي تُختبر بمدى التزامه بموقف واضح ومتسق من الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية ، ومحاسبة المسؤولين عنها دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
ومع كل هذا، فإن استهداف الكهرباء لن يكسر إرادة السودانيين ، فقد أثبت العاملون في قطاع الخدمات قدرتهم على مواجهة الظروف الاستثنائية ، كما أن التكاتف الشعبي يظل ركيزة أساسية لتجاوز المحن ، والمطلوب اليوم تسريع إصلاح المحطات ، وتأمين المنشآت الحيوية ، وتوفير البدائل للمرافق المتضررة ، إلى جانب تحرك دبلوماسي وقانوني لمحاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات.
قد تنجح مسيرات آل زايد وآل دقلو في إطفاء المصابيح ، لكنها لن تستطيع إطفاء إرادة شعب يعرف أن إعادة الإعمار يبدأ من التحدي ، وأن الأوطان لا تُهزم بانقطاع الكهرباء ، بل تُبنى بإرادة أبنائها مهما اشتدت العتمة… لنا عودة.
#استهداف_المليشيا_للكهرباء_امدرمان
