وَمَضَى عَامٌ عَلَى نَكْبَةِ الْفَاشِرِ… سَقَطَتِ الْمَدِينَةُ، وَلَمْ يَسْقُطِ الْأَحْرَارُ
في الرابع والعشرين من أكتوبر، لم تكن الفاشر مدينةً تنتظر يومًا جديدًا؛ كانت أمًّا تبحث عن أطفالها، وطفلًا يبحث عن حضنٍ يحميه، وبيتًا لا يعرف إن كان سيبقى حتى المساء. كانت الأمهات يجمعن أبناءهن إلى صدورهن، كأنهن يحاولن أن يحمين ما تبقّى من الدنيا من الانهيار.
ثم سقطت الفاشر، ولم تسقط حجارتها وحدها؛ سقطت معها طمأنينة البيوت، وتبعثرت الأسر، وانفتح جرحٌ لا تختصره الأخبار، ولا تفيه الكلمات. صارت المدينة ذاكرةً للفقد، وشاهدًا على القتل والانتهاكات المروّعة، وعلى بشرٍ وجدوا أنفسهم في مواجهة مصائر لا تليق بكرامة الإنسان.
لكنّ الفاشر لا تُرثى بعدد ضحاياها فقط، بل تُرثى بحكايات الأمهات اللواتي حاولن انتزاع لحظة نجاة من قلب الفاجعة.
أمٌّ احتضنت أطفالها، كأن جسدها آخر جدارٍ يمكن أن يحول بينهم وبين الموت. وأخرى حملت السلاح دفاعًا عن أهلها، حين لم يعد الخوف وحده قادرًا على تحديد مصيرها. وأمٌّ حفرت قبرًا لابنها، ثم وجدت نفسها أمام فقدٍ أكبر من أن يحتمله قلب؛ فحفرت قبورًا لأسرتها كلها. وأخرى لم تجد ملجأً يحمي أطفالها من الرصاص، فحفرت في التراب حفرةً تؤوي أجسادهم الصغيرة، لعلّ الأرض تسترهم حتى تعبر لحظة الرعب.
أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل الأم تبحث لأطفالها عن النجاة في حفرةٍ من تراب؟ وأيُّ قسوةٍ تلك التي تدفعها إلى حفر قبرٍ لمن حملتهم يومًا في أحشائها، أو إلى احتضانهم وهي لا تملك لهم سوى قلبها؟
هنا تكمن نكبة الفاشر؛ في أن تتحوّل الأمومة من وعدٍ بالحياة إلى معركةٍ من أجل البقاء.
ولم يكن الموت وحده يحاصر أهلها؛ كان الجوع ينهش ما تبقّى من قدرتهم على الصمود. اضطرّ أناسٌ إلى أكل أعلاف الحيوانات ولحاء الأشجار والحشائش، بعدما غاب الطعام وضاقت سبل النجاة. تخيّلوا أمًّا تبحث عن لقمةٍ لأطفالها، فلا تجد ما تقدّمه لهم ممّا اعتاد البشر أن يسمّوه طعامًا. كيف تشرح لطفلٍ جائع أن الأرض التي عرفها مصدرًا للحياة لم تعد تمنحه ما يسدّ رمقه؟
ثم جاء النزوح، فحمل أهل الفاشر ما استطاعوا حمله، وتركوا خلفهم بيوتًا وذكرياتٍ وأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا أصحابها: صورةً على جدار، وثوبًا في خزانة، وبابًا اعتادوا طرقه، وبيتًا لم يكونوا يتخيّلون أن يصبح يومًا وراء ظهورهم.
النزوح ليس أن تغادر المكان فحسب؛ بل أن يمضي جسدك بعيدًا، بينما يبقى قلبك معلّقًا ببابٍ لا تعرف إن كنت ستعود إليه.
وما زالت الحكاية ممتدّةً في أمهاتٍ نزحن عن المدينة، وأبناءٍ يقاتلون في خطوط المواجهة، وقلوبٍ معلّقة بين خبرٍ تنتظره وهاتفٍ تخشى صمته. أمٌّ تريد لابنها أن يعود سالمًا، وتريد للفاشر أن تعود إلى أهلها، وتحلم بيومٍ لا تضطر فيه أمٌّ سودانية إلى أن تعيش بين خوفها على ولدها وخوفها على وطنها.
هؤلاء الأمهات لسن هامشًا في حكاية الفاشر؛ إنهنّ قلبها النابض وذاكرتها التي لا يجوز أن تُمحى. حملن أبناءهن، ودفنّ أحباءهن، وواجهن الجوع والتشرّد، وبعضهن حملن السلاح دفاعًا عن الحياة والأرض. وحين نكتب عن الفاشر، لا يكفي أن ندوّن أسماء المعارك ومواعيد السقوط؛ علينا أن نتذكّر الوجوه التي دفعت ثمن الحرب من أعمارها وأسرها وأحلامها.
يا أهل السودان، إنّ النكبة لا تكتمل بسقوط مدينةٍ تحت وطأة الحرب؛ تكتمل حين يصبح وجعها مألوفًا، وحين تمرّ حكايات ضحاياها أمام العيون فلا توقظ سؤالًا ولا تحرّك ضميرًا؛ حين يصبح النزوح خبرًا عابرًا، والجوع تفصيلًا في نشرة، والأم التي فقدت أبناءها رقمًا بين الأرقام.
لا تمنحوا النسيان ما لا يزال أهل الفاشر يقاومون فقدانه. فخلف كل اسمٍ غائب حياةٌ كانت عامرة، وخلف كل بيتٍ مهجور أسرةٌ كانت تحلم بالغد، وخلف كل أمٍّ صامتة حكايةٌ قد تعجز الكلمات عن حملها ووصفها.
ستظل الفاشر أمانةً في ضمير السودان، وسيظلّ لأهلها حقٌّ في الحياة والأمان والعودة إلى أرضهم وبيوتهم سالمين. ليست الذاكرة وفاءً للماضي وحده؛ إنها مسؤولية تجاه من فقدوا كل شيء، وتجاه وطنٍ لا يجوز أن يعتاد وجع أبنائه.
الفاشر ستظلّ حاضرةً في وجدان أهلها، كما تبقى الخرطوم حاضرةً في وجدان أهلها؛ وعادت عزيزةً بعزّ رجالها.
المدن ليست حجارةً تُستردّ فحسب، بل حياةٌ وذاكرةٌ وانتماء. وفي وطنٍ أثقلته الدماء والفواجع، لا يجوز أن تصبح الفاشر خبرًا منسيًّا، ولا أن تُدفن حكايات أهلها تحت غبار الأيام.
سلامٌ على الفاشر يوم ضاقت الأرض بأهلها، وسلامٌ على أمهاتها اللواتي حملن الحياة بأيديهن حين عجزت الحماية، وسلامٌ على كل طفلٍ حُرم طفولته، وكل أسرةٍ شُرّدت، وكل أمٍّ ما زالت تنتظر عودة ابنها.
لن تكون الفاشر ذكرى نكبةٍ فقط؛ ستظلّ حقًّا لأهلها، وجرحًا في ضمير الوطن، ووعدًا بألّا تُترك حكاياتها للنسيان.
وتعود الفاشر لنا كما عادت الخرطوم.
وَلَكِ مِنِّي سَلَامٌ
فاشر السلطان… أرض الصمود والأبطال
سلامٌ على أبطال الفاشر، مدينةٍ علّمتنا معنى الصمود والوفاء، وعلّمتنا أن الإنسانية شرف، وأن الحرية وسامُ عزّةٍ على صدور الرجال.
سلامٌ على أبطالٍ حملوا السلاح، واستودعوا الله أهلهم وأحبابهم، ومضوا في سبيل الله، يحملون أرواحهم فداءً للأرض والعِرض والكرامة.
سلامٌ على أمٍّ خاطت من الصبر ثوبَ العفّة والوفاء، وعطّرته بدماء الشهداء، وقدّمته مهرًا لكِ يا سودان.
سلامٌ على الفاشر، أرض الصمود وموطن الأبطال، وعلى أمهاتها الأحرار، وعلى كلّ روحٍ بذلت، وكلّ قلبٍ انتظر، وكلّ شهيدٍ كتب بدمه حكاية الوفاء.
ستظلّ الفاشر عزّةً لا تنحني، وذكرى لا تُمحى، وجرحًا لا يطفئه النسيان.
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.
✍️ أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا ابنةُ الفاشر، فاشر السلطان، أرض الصمود والأبطال؛ سلامٌ عليها حتى آخر شبرٍ من ترابها. سأحمل حكايتها بقلمٍ لا ينكسر، وبصوتٍ لا يخفت؛ فأنا امرأةٌ من حبر النار.
✦༺ مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ نَبْضٌ، فَلِلْقَلَمِ حِبْرٌ، وَلِلْفَاشِرِ حِكَايَةٌ لَا تَمُوتُ… ༻✦
✒️ عبير نبيل محمد
