ضجت وسائل الإعلام أن قراراًحاسماً وقعه رئيس مجلس السيادة يقضي برفع الحظر عن استيراد كافة المواد الغذائية، والسلع الاستهلاكية، ومدخلات الإنتاج الصناعي التي حُظرت مؤخراً. في منعطف مصيري يعكس عمق التخبط وغياب إدارة الأزمات، حيث ساطت وزارة المالية بتسريب يفجر الأوضاع من أساسها؛ إذ لم يكن الأمر إلا هزة أرضية عنيفة تضرب سوقاً مكلومة أصلاً بنيران الغلاء وانفلات الأسعار، وسط غياب تام ومخزي للحكومة التنفيذية التي تركت المواطن يواجه مصيره المظلم بلا درع ولا واقٍ.
لقد تحولت الأسواق السودانية إلى ساحة حرب معيشية يكتوي بنارها المواطن البسيط، حيث تراجعت القيمة الشرائية للعملة بلا هوادة في ظل فراغ دستوري أفرغ مؤسسات الدولة من محتواها الرقابي. فالحظر الذي فُرض سابقاً لم يفلح سوى في خنق سلاسل الإمداد ومضاعفة الأسعار، مما جعل الأسواق رهينة لتجار الأزمات. وجاء القرار الأخير ليمثل صدمة إيجابية محتملة تسعى لكسر الاحتكار وضخ السلع الضرورية في عروق السوق الميتة، علاوة على إحياء المصانع المعطلة عبر توفير المدخلات الصناعية اللازمة لإعادة عجلة الدوران.
غير أن قراءة المآلات الإصلاحية من زواياها الأعمق تكشف عن معطيات بالغة الخطورة، أبرزها تعرية الشلل الإداري التام للجهاز التنفيذي؛ إذ يعبر صدور قرار سيادي بهذا الثقل الاقتصادي المباشر عن غياب الوزارات المختصة وتلاشي أدوارها الرقابية. كما يحمل القرار طيات تهديد مستترة تتمثل في الضغط الهائل على النقد الأجنبي وسعر الصرف، ففتح الباب على مصراعيه بلا احتياطيات نقدية كافية أو ضوابط صارمة قد يحول نافذة الإنقاذ إلى بوابات لنزيف جديد للعملة لصالح سلع كمالية على حساب لقمة العيش.
إن هذه الرجة الاستثنائية تتطلب أدوات إدارة واعية ومحكمة تربط بين تحرير التجارة وحماية الاستقرار المالي والنقدي؛ وإلا فإن تسونامي الانفلات قادم لا محالة ليقضي على ما تبقى من رمق اقتصاد يصارع البقاء وحده.
