كتب: د. الشاذلي عبد اللطيف
في تاريخ الأمم، قد تصنع امرأة بسيطة بكلمات قليلة ما تعجز عنه الخطب السياسية والتقارير الاقتصادية. فحين يشتد الجوع، لا يحتاج المواطن إلى بلاغة الخطاب بقدر حاجته إلى عدالة القرار، وحين يرتفع صوت امرأة مطالبة بالرغيف، فإنها لا تخاطب الحاكم وحده، بل تستنهض ضمير الدولة بأكملها.
في منطقة البرقيق بالولاية الشمالية، وخلال زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، ارتفع صوت امرأة سودانية قائلة: «العيش حبتين بألف جنيه!»
لم تكن كلماتها مجرد شكوى من ارتفاع الأسعار، بل اختصارًا لمعاناة أسر سودانية أثقلتها الحرب وأرهقتها تكاليف المعيشة. لقد وضعت هذه المرأة، بعفويتها وصدقها، قضية الرغيف في قلب المشهد الوطني، وذكّرت بأن المواطن الذي يصبر على ويلات الحرب يتطلع كذلك إلى حياة تحفظ كرامته وتؤمّن احتياجاته الأساسية.
وهنا تستحضر الذاكرة الإسلامية مشهدًا خالدًا من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين خرج ليلًا يتفقد أحوال رعيته، فوجد امرأة تحيط بها أطفالها وهم يبكون جوعًا، وقد وضعت قدرًا على النار توهمهم بأن الطعام قادم.
سألها عن حالها، فشكت إليه الفقر ودعت على أمير المؤمنين، دون أن تعلم أن من يستمع إليها هو عمر نفسه. فلم يغضب من شكواها، ولم يعتبر كلماتها انتقاصًا من هيبة الخلافة، بل عاد إلى بيت الدقيق، وحمل الطعام على ظهره، وأشرف على إعداده حتى شبع الأطفال واطمأنت أمهم.
وترد هذه القصة في كتب السير والتاريخ، وتحمل درسًا أخلاقيًا عظيمًا في فلسفة الحكم: أن هيبة الدولة لا تتجلى في إسكات صوت المحتاج، وإنما في قدرتها على الاستماع إليه ورفع أسباب معاناته.
وفي السودان اليوم، حيث تتداخل تحديات الحرب مع الأزمات الاقتصادية والمعيشية، تعود هذه المعاني لتؤكد أن المسؤولية الوطنية لا تقف عند حماية الأرض وصون السيادة، بل تمتد إلى حماية الإنسان وتأمين أسباب حياته الكريمة.
وفي أعقاب واقعة البرقيق، نقلت تقارير صحفية أن البرهان استدعى، يوم 21 أكتوبر 2026م، وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم ووزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب، ووجّه باتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة، شملت رفع القيود عن استيراد المواد الغذائية ومدخلات الإنتاج، وإعفاء سلع أساسية، بينها الدقيق والأرز والبقوليات والزيوت والخضروات والفواكه، من الرسوم الجمركية، وفتح باب استيرادها لتخفيف الأعباء المعيشية.
وقد جاءت هذه التوجيهات عقب الواقعة، وإن لم يثبت رسميًا أن هتاف المرأة كان سببها المباشر. كما أن أثرها الحقيقي سيظل مرهونًا بالتنفيذ وانعكاسه على الأسعار وتوافر السلع في الأسواق.
إن القيمة الوطنية لهذا المشهد لا تكمن في مجرد انتقال الشكوى إلى دوائر القرار، بل في ترسيخ مبدأ أن صوت المواطن، مهما بدا بسيطًا، يستحق أن يكون حاضرًا في صناعة السياسات العامة.
لقد أرست السنة النبوية الشريفة هذا المعنى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهو حديث متفق عليه. ومن هذا الهدي استمد الخلفاء الراشدون مفهوم الحكم باعتباره أمانة ومسؤولية، لا مجرد سلطة ومكانة.
وليس المقصود من استحضار سيرة الفاروق إقامة مقارنة بين الرجال أو الأزمنة، وإنما استدعاء قيمة إسلامية وإنسانية راسخة، مفادها أن الحكم المسؤول يبدأ بالإنصات لمعاناة الناس، وتكتمل قيمته حين تتحول الاستجابة إلى فعل يخفف عنهم أعباء الحياة.
إن السودان، وهو يواجه تحديات الحرب وإعادة البناء، يحتاج إلى مشروع وطني متكامل لا يفصل بين الأمن والتنمية والعدالة الاجتماعية. فاستعادة الاستقرار ينبغي أن تترافق مع إحياء الإنتاج الزراعي والصناعي، وتأمين سلاسل الإمداد، وتحسين الخدمات، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
ولا يكفي أن تعود الأسواق إلى نشاطها إذا عجز المواطن عن الشراء، ولا أن تصدر القرارات الاقتصادية دون متابعة آثارها في حياة الناس. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات ليس عدد القرارات المعلنة، وإنما مقدار ما تحدثه من تحسن في معيشة المواطنين.
ولعل أبلغ ما في صرخة امرأة البرقيق أنها جاءت بعيدة عن الشعارات والانقسامات السياسية؛ فالرغيف لا يعرف الانتماءات الحزبية أو الجهوية، والجوع لا يميز بين أبناء الوطن. ولذلك فإن حماية معيشة السودانيين يجب أن تظل قضية وطنية جامعة، تتقدم فيها مصلحة الإنسان على الخلافات.
إن صرخة الرغيف ليست خصومة مع الدولة، بل نداء إليها لتكون أقرب إلى شعبها، وأكثر إدراكًا لأولوياته، وأشد التزامًا بحقوقه.
وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، تصبح إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن إعادة بناء الطرق والجسور والمرافق العامة. فالدولة القوية هي التي تجمع بين حماية السيادة وإقامة العدل، وبين صون الأمن وضمان الحياة الكريمة.
لقد تركت المرأة السودانية في البرقيق رسالة تتجاوز حدود المكان والواقعة، وذكّرت بأن معركة الوطن لا تكتمل بانتهاء صوت السلاح، وإنما تستمر في ميادين الإنتاج والخدمات والعدالة وإعادة الإعمار.
وستظل العبرة التي تجمع بين دروس التاريخ وتحديات الحاضر أن الإنصات إلى المواطن بداية المسؤولية، وأن عدالة القرار تقاس بأثره في حياته، وأن كرامة الوطن تبدأ من كرامة الإنسان.
فالسودان لا يحتاج إلى أن تنتهي الحرب فحسب، بل إلى أن تبدأ بعدها حياة تليق بصبر شعبه وتضحياته، وأن يجد كل سوداني في وطنه أمنًا يحميه، وعدلًا ينصفه، ورغيفًا يحفظ كرامته.
