تزامنٌ يثير الشكوك، وتوقيتٌ يطرح أكثر من علامة استفهام!
ففي الوقت الذي وصل فيه وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الأستاذ معتصم أحمد محمد صالح، إلى ولاية القضارف، عاد ملف “المسح الشامل” ليتصدر المشهد السياسي والإداري بالولاية، مُشعلاً فتيل صراع خفيّ وشرس بين وزارة المالية ووزارة الرعاية الاجتماعية الوافد الجديد على الخارطة الحكومية عقب فصلها الأخير عن وزارة الصحة، والتي تُعد شهادةً للحق الوزارة الأنجح والأكثر استقراراً بين نظيراتها.
لكن بعيداً عن الإسهاب في تفاصيل البروتوكول؛ دعونا نتساءل بوضوح يفرضه الواجب الصحفي: ما الذي استدعى زيارة السيد الوزير الاتحادية في هذا التوقيت تحديداً؟ فلا مشروع يُفتتح، ولا مناسبة رسمية تستدعي طقوس الاستقبال! فهل جاء الرجل للوقوف على مشارف “المسح الشامل” الذي طاله التعثر؟ أم للنبش في مسببات المغادرة المدوية لمدير التأمين الصحي السابق؟ أم أن ثمة كواليس تُدار في الخفاء لترجيح كفة “الصحة” على حساب “الرعاية”، برعاية وتبنٍ مباشرين من وزارة المالية؟
صراع قديم.. وأجندة متجددة
من يعتقد أن “صراع النواعم” داخل حكومة القضارف وليد اللحظة، فعليه مراجعة تقديراته؛ فالخلاف قديم متجدد، وما ملف “المسح الشامل” إلا رأس الجبل الذي طفا على السطح ليزيد الشقة اتساعاً.
ترى المدير العام لوزارة المالية أن المسح الذي تصر عليه مدير عام وزارة الرعاية الاجتماعية ليس سوى استنزاف مالي، وإعادة تدوير لمهام سبق أن نفذتها “المالية” بحذافيرها، مما يضرب موجهات لجنة الضوابط المالية في مقتل. وفي المقابل، كلما ارتفع صوت الشارع متسائلاً عن مخرجات هذا المسح، خرجت “الرعاية الاجتماعية” بردها التخديري المعتاد: نحن في مرحلة استعراض البيانات تمهيداً لعرضها في القريب العاجل!
والعاجل عند هذه الوزارة يعني بوضوح: المزيد من التسويف والترحيل! كيف لا، وقد أعلنت سابقاً أن الستار سيُسدل على هذا المسح بتاريخ 28 مايو 2026م أي قبل أربعة أشهر كاملة من تاريخ اليوم دون أن يرى المواطن شيئاً على أرض الواقع!
منهجية “الاستهبال” السيادي!
على أن أسلوب المماطلة والتخدير ليس بدعة احتكرتها وزارة الرعاية الاجتماعية وحدها، بل هو منهج أصيل تُدار به عدة مرافق في الولاية، وعلى رأسها وزارة المالية التي تمتلك رصيداً تاريخياً حافلاً بـ”عمليات التخدير الموضعي” امتد لزهاء عشر سنوات! رصيدٌ يضعها إن جاز لنا التعبير الصحفي صراحةًعلى عرش أكثر الوزارات ممارسة لـ”الاستهبال الإداري”.
وأمامكم الشاهد الأكبر: مشروع الحل الجذري لمياه القضارف. مشروع حيوي تعاقب عليه ستة ولاة بالتمام والكمال، بينما تتسمر المدير العام لوزارة المالية على مقعدها المقيم، تبتكر “الحلول الإسعافية” كلما ضربت الولاية موجة عطش حادة، أو ضج المواطنون بالصراخ. وحتى هذه الحلول الوقتية، تحولت بفعل ذات المنهج العقيم إلى نافذة جديدة للجبايات الإضافية، وإلقاء أعباء جديدة على كاهل المواطن المنهك، دون أن تُحل أزمة العطش من جذورها!
”شملة بت كنيش”.. وتجميل الفشل
إن التنمية التي تتغنى بها حكومة القضارف وتتغطى بها اليوم، تشبه تماماً من يتغطى بشملة بت كنيش؛ لا تقي برداً ولا تستر عورة!
ما نراه ليس سوى شطحات ونوع من “الشيطنة السياسية” لتجميل وجه حكومة فقدت عملياً كافة مقومات النجاح. حكومة عجزت عن تقديم مشروع إستراتيجي واحد يُحسب لها، وفشلت حتى في إكمال مشاريع الموروث الحكومي السابق التي تبنتها من شارع الستين، وبرج الأطفال، وبيت الضيافة، ومبنى المجلس التشريعي، وعمارة برج الذهب. كلها مشاريع صُممت ودُشنت في عهود سابقة، تبنتها الحكومة الحالية، لكنها للأسف.. لم تُحسن التبني، ولا أتقنت الرعاية!
آخر الكلام
إن ولاية القضارف لم تعد تحتمل المزيد من المعارك الجانبية ولا سياسة “ترحيل الأزمات”. فبينما ينشغل المسؤولون بـ “صراع النواعم” وتوزيع الغنائم الإدارية، يظل المواطن هو الخاسر الوحيد وسط العطش والخدمات الغائبة. لقد حان الوقت ليكف والي القضارف عن دور “المتفرج”، ويرسم حداً لهذه المهزلة.. قبل أن يسقط سقف التنمية الفاشلة على رؤوس الجميع!
ولنا عودة لباقي الكلام…
