ظلت الهوية السودانية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث، لأنها لم تكن مجرد سؤال ثقافي عن من نحن، وإنما ارتبطت دائماً بسؤال الدولة، وشكلها، ومركزها، وعلاقتها بأقاليمها ومجتمعاتها. ولهذا تعددت محاولات تعريف السودان بين هوية عربية، وهوية أفريقية، وهوية عربية إسلامية، ورؤية علمانية، ومفهوم السودانوية، وغيرها من التصورات التي حاول كل منها أن يفسر السودان انطلاقاً من زاوية معينة.
غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الرؤى بقدر ما تكمن في تحول بعضها إلى مشاريع لإثبات هوية على حساب أخرى. فعندما تصبح الهوية أداة لإثبات الأحقية، يتحول الاختلاف الطبيعي في مجتمع متعدد إلى صراع حول من يملك تعريف السودان ومن يملك حق تمثيله.
والسودان، في تركيبته التاريخية والجغرافية والثقافية، يصعب اختزاله في رافد واحد. فقد تداخلت فيه روافد أفريقية وعربية ونوبية وإسلامية ومسيحية ومحلية، وتفاعلت فيها الصحراء والنيل والسافنا والغابة، والبادية والريف والمدينة، واللغات والثقافات والأنماط الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. ولم يكن هذا التعدد حالة طارئة، بل جزءاً من عملية التكوين التاريخي للسودان.
من هنا تنطلق نظرية الروافد بوصفها فرضية فكرية للنقاش، لا بوصفها حكماً نهائياً على سؤال الهوية. وتفترض النظرية أن السودان يمكن فهمه باعتباره دولة تشكلت من روافد متعددة، وأن الخلل يبدأ عندما نحاول تحويل أحد هذه الروافد إلى تعريف شامل للسودان كله.
فالرافد لا يلغي النهر، والنهر لا يلغي روافده.
وبالمعنى الفكري، لا تعني وحدة السودان ذوبان تنوعه في هوية واحدة، كما لا يعني الاعتراف بالتنوع تفكيك الدولة إلى هويات متجاورة. المسألة الأعمق هي بناء علاقة جديدة بين الوحدة والتنوع، يصبح فيها السودان هو الإطار الجامع، وتصبح روافده مكونات متفاعلة في تشكيل هويته الوطنية.
ومن هذه الزاوية، تنتقل القضية من سؤال أي هوية يمثل السودان؟ إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف يمكن بناء هوية سودانية تستوعب روافده جميعاً دون أن تلغي خصوصية أي منها؟
وهنا تلتقي قضية الهوية بقضية الدولة. فالدولة التي تعجز عن الاعتراف بتعدد مكوناتها قد تجعل الهوية سبباً للصراع، بينما الدولة التي تعيد تنظيم هذا التنوع في إطار المواطنة والحقوق المتساوية تستطيع تحويل التعدد إلى مصدر للقوة والتكامل.
لذلك لا تطرح الروافدية نفسها بديلاً عن العروبة أو الأفريقية أو الإسلام أو السودانوية، ولا تدخل في منافسة معها على احتكار تعريف السودان، وإنما تقترح النظر إليها باعتبارها أجزاء من المشهد التاريخي والثقافي السوداني، ضمن روافد أخرى لا تقل أهمية في تكوين الشخصية الوطنية.
وتقوم الفرضية المركزية هنا على أن وحدة السودان لا تحتاج إلى هوية واحدة مغلقة، وإنما تحتاج إلى إطار وطني مفتوح يستوعب تعدد الهويات.
وهذا الإطار لا يقوم على إنكار الفوارق، ولا على صناعة تجانس مصطنع، وإنما على المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتنوع، والعدالة بين الأقاليم والمجتمعات، وإعادة بناء الدولة على أساس المشاركة لا الهيمنة.
ومن ثم فإن معركة الهوية في السودان ربما تحتاج إلى الانتقال من البحث عن هوية تنتصر على الهويات الأخرى إلى البحث عن صيغة تجعل هذه الروافد جميعاً جزءاً من وطن واحد.
إن السودان ليس نهراً بلا روافد، كما أن روافده ليست أنهاراً منفصلة. وبين النهر والروافد تتشكل فكرة الوحدة الرافدية التي يطرحها مركز الروافد للنقاش: وحدة لا تقوم على الإلغاء، وتنوع لا يقود إلى التفكك، وهوية وطنية لا تحتاج إلى أن تنكر جذورها المتعددة حتى تثبت وجودها.
هذه ليست نهاية النقاش حول الهوية السودانية، وإنما بدايته.
مركز الروافد للفكر والدراسات السودانية المعاصرة
الحلقة الأولى من السلسلة الفكرية حول الهوية السودانية
،،، تحياتي ،،،
