حين يُترك العبء كاملاً على كاهل مواطن يصارع الموت لتحريك عجلة الحياة، تأتي حكومة ولاية القضارف ومؤسساتها التنفيذية لتمارس هوايتها المفضلة في خنق الكادحين وسحق أرزاق الناس. إن ما تشهده أسواق القضارف اليوم من تعسف ممنهج واستهداف مباشر للقطاع التجاري تحت لافتة “إدارة المخالفات الهندسية” لا يمكن تفسيره إلا بأنه حالة من العمى الإداري، وفشل ذريع يعكس عجز الوالي وحكومته عن إدارة ملفات الولاية بحد أدنى من الحكمة أو الرشد.
لقد سقطت ورقة التوت عن وجه حكومة الولاية وهي تفرض جبايات باهظة ومبتكرة تصل إلى مليوني جنيه تحت مسمى مخالفات “البرندات”، وهي في الأصل اشتراطات وتصاميم هندسية أُجبر التجار على اعتمادها بأمر من أجهزة الولاية ذاتها. إنه عبث مالي مفضوح يحول التنظيم المزعوم إلى جباية عمياء تبتز جيوب التجار المنهكين أصلاً، وكأن الوالي وحكومته لا يدركون أو لا يعبأون بأن السوق يعيش رمقه الأخير صموداً في وجه الأزمات. حين تصبح خزينة الولاية تدار بمنطق الإتاوات والضغط على لقمة عيش المواطن، فهذا إعلان صريح بسقوط هيبة الدولة وانحراف بوصلتها تماماً عن حماية مصالح الشعب.
ولا تقتصر مأساة هذا الوالي وجهازه الإداري على نهب الجيوب بالرسوم، بل تمتد إلى انعدام تام لأبسط قيم الإنسانية والكفاءة؛ فأن يُغلق دكان تفتحه لقمة عيش عائلة لمجرد تعثر مؤقت، وأن يقابل صرخات التجار وتوقف تطبيقات (بنكك) و(إيصالي) ببرود استفزازي وصل إلى حد قول أحدهم إن الدكان لن يفتح حتى لو توقفت التقنية عشرين يوماً إلا بالدفع الفوري، فهذا دليل قاطع على أن الحكومة وضعت في مفاصل الأسواق أشخاصاً يفتقرون لأبسط مهارات التعاطي البشري فضلاً عن الإدارة. إنهم يعاملون التجار كأعداء لا كشركاء في بقاء الولاية واقتصادها.
إن بقاء الوالي وجهاز إدارته متفرجين أو مباركين لهذا البطش يضع حكومة الولاية في قفص الاتهام المباشر بالتواطؤ ضد أمن المعيشة والاستقرار المجتمعي في القضارف. التجار والكادحون في سوق الولاية يعصرون الشمع ليصمدوا، ولا يحتاجون إلى سلطة تتفرغ لكسر إرادتهم وتضييق الخناق عليهم وكأنها في معركة استنزاف ضدهم.
آن الأوان لأن يدرك والي القضارف أن الكرسي ليس صكاً لتعذيب الناس، وأن التاريخ لا يرحم المسؤول الذي يغمض عينيه عن أنين رعيته. إننا نضع هذه المهزلة أمام ناظريه، وننتظر منه موقفاً شجاعاً وفورياً بغربلة هذه الإدارات الفاشلة، وتطهيرها من العابثين بأرزاق العباد، وإلغاء هذه الرسوم الاستفزازية التي قصمت ظهور التجار، فالسوق هو الشريان الأخير للحياة، والعبث به هو حرق لما تبقى من الوطن.
لنا عودة.. لي باقي الكلام
