حين يُصاب الإداري بالعمى المؤقت عن رؤية وجع الشارع، لا تقتصر جريمته على الفشل فحسب، بل تمتد لتصبح صفاقةً مكتملة الأركان. وهذا بالضبط ما يحدث في ولاية القضارف اليوم؛ ولاية تموت عطشاً، ويعجز أهلها عن توفير قوت يومهم، وتتشارك فيها براءة الأطفال أسرّة المرض بمستشفيات تشبه مراكز الإيواء في مناطق الحروب.. لكن الوالي وحاشيته من المنتفعين والقيادات الفاسدة لا يرون من هذا البؤس شيئاً، وكل ما أبصروه هو مصالحهم الضيقة وتأسيس “بيوت ضيافة” ومجالس تشريعية وهمية!
أي عقل خرب هذا الذي يشرع في بناء القصور وترتيب “البرستيج” السياسي، بينما العطش سيف مسلط على رقاب العباد حتى في فصل الخريف؟ وأي منطق سمسرة هذا الذي تدار به ولاية يُصارع فيها المواطن وحوحش الفقر والجوع، بينما شبكة الفساد الملتفة حول الوالي تتقاسم الغنائم وتبرم صفقات الملايين والتريليونات في صمت المقابر؟
نقولها ولا نخشى لومة لائم: القضارف تحولت إلى إقطاعية خاصة تدار بعقلية “السمسرة والمحاصصة”، وكل حديث عن التنمية هناك هو مجرد فقاعة كذوبة يروج لها المستفيدون من بقاء الحال على ما عليه. فبينما يعاني الناس الأمرين، تكشف كواليس المجالس عن إتمام صفقة شراء مبنى بشارع الستين بـ (14) تريليون جنيه، وتزامنها مع شراء أساسات لبيت الوالي بمبلغ تريليون آخر.. صفقات أُديرت خارج الأطر القانونية، ودون عطاءات أو لجان مختصة، بل وبأشخاص من حاشية الوالي و”المتعاونين” مع شبكة المنتفعين، في استخفاف تام برقابة الدولة وبمعاناة الإنسان المقهور. وهي امتداد فقط لمسلسل الفساد الذي لم يجف حبره بعد، بدءاً من صفقة متحركات “البرادو” المشبوهة، وليس انتهاءً بتعيينات ونسب القيادات الفاسدة في مفاصل القرار.
يا سعادة رئيس مجلس السيادة.. القضارف لا تحتاج لقصور مشيدة وبئر الولاية معطلة، ولا تحتاج لمجالس تشريعية تفصل على قياس هذه المجموعة المنتفعة بينما مراكز تخفيف أعباء المعيشة تعجز حتى عن توفير (15) جوال سكر لأربعة أحياء!
إنها ميزانية طوارئ، ميزانية حرب وبقاء لا ترف وبناء.. فإما أن تقتلعوا جذور هذا الفساد وتحاسبوا الوالي ومن لف لفيفه من المنتفعين والقيادات الفاسدة لإنقاذ الإنسان قبل أن يلتهمه الجوع، وإما فاقرأوا على ولاية القضارف السلام.
إن دماء القضارف وعطش أهلها ليسوا حبراً على ورق، ولا أرقاماً في دفاتر صفقات شبكة المنتفعين. إنها أمانة في رقبة من ولي أمرهم؛ فإما أن تُعاد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح حيث الخبز والدواء والماء وإما أن يدرك الجميع أن التاريخ لا يرحم من بنى مجده على أنقاض العطاش والجياع. والسودان اليوم أفقر ما يكون إلى “البرستيج” والمنتفعين، وأغنى ما يكون إلى الضمير!
ولنا عودة إلى باقي الكلام البجيب “الزيت”..
