تتجه أنظار العالم نحو مقر الأمم المتحدة في نيويورك مع انعقاد جلسات الجمعية العامة، التي تشكل المحفل الدبلوماسي الأكبر والأهم سنويًا. وفي وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا غير مسبوق في حدة النزاعات الجيوسياسية والتحديات المناخية والاقتصادية، يطرح المتابعون والشعوب سؤالًا جوهريًا: ما هو الدور الذي تلعبه المنظمة الأممية في إدارة هذه الأزمات؟ ولماذا بات إصلاح مجلس الأمن مطلبًا إقليميًا ودوليًا ملحًّا؟
أولاً: دور الأمم المتحدة في إدارة الأزمات الدولية
رغم الانتقادات الموجهة لكفاءتها الإجرائية، تظل الأمم المتحدة المؤسسة الوحيدة التي تمتلك الشرعية الدولية والقنوات الدبلوماسية للتعامل مع النزاعات وفق ركائز متعددة:
1. الدبلوماسية الوقائية والوساطة
تعتمد المنظمة على المبعوثين الخاصين للتدخل المباشر وتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، لمنع نشوب الحروب أو للوصول إلى اتفاقات وقف إطلاق النار.
2. حفظ السلام والأمن
تنتشر بعثات حفظ السلام الأممية (الخوذ الزرقاء) في مناطق التوتر حول العالم لتأمين الاستقرار، وحماية المدنيين، ومراقبة الهدن ومسارات السلام.
3. الاستجابة الإنسانية للإغاثة
تضطلع الوكالات الأممية مثل (WFP, UNHCR, OCHA) بالدور الأبرز في توفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية للملايين من النازحين واللاجئين في مناطق الصراعات والحروب والكوارث الطبيعية.
4. تثبيت مبادئ القانون الدولي
توفر الجمعية العامة منبرًا متساويًا لجميع الدول الأعضاء لإبراز عدالة القضايا وتشكيل ضغط سياسي ودولي ضد الانتهاكات والتعديات على سيادة الدول.
ثانيًا: معضلة مجلس الأمن والدعوة المباشرة للإصلاح
على الرغم من الجهود الإنسانية والسياسية، تواجه المنظمة انتقادات حادة بشأن عجزها عن إيقاف بعض الصراعات المسلحة الكبرى. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الهيكل الحالي لمجلس الأمن، مما يجعل ملف “إصلاح مجلس الأمن” في صدارة مناقشات الجمعية العامة.
أبرز مآخذ النظام الحالي:
- حق النقض (الفيتو): استغلال الدول الخمس دائمة العضوية لحق الفيتو لتعطيل قرارات حاسمة تتصل بالأمن والسلم الدوليين بناءً على مصالحها الجيوسياسية.
- غياب العدالة الجغرافية: الهيكل الحالي يعكس موازين القوى في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام (1945) ويفتقر إلى التمثيل العادل لقارات بأكملها، حيث تغيب المقاعد الدائمة عن أفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول المنطقة العربية.
المحاور الأساسية لمبادرات الإصلاح المطروحة:
- توسيع العضوية الدائمة والغرض منها: مطالبة تكتل (G4) مثل الهند والبرازيل وألمانيا واليابان بمقاعد دائمة، إلى جانب المطالبة الإفريقية المشتركة بقعدين دائمين للقارة.
- تقييد استخدام الفيتو: طرح مبادرات للحد من استخدام حق الفيتو في حالات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
- تعزيز دور الجمعية العامة: تفعيل آليات تدعم قدرة الجمعية العامة على اتخاذ قرارات ملزمة بديلة في حال شلل مجلس الأمن مثل مبادرة “متحدون من أجل السلام”.
الخلاصة
تظل الأمم المتحدة مظلة لا غنى عنها لمنع الانهيار الكامل للنظام الدولي، إلا أن استمرار نجاحها وشرعيتها في العقود القادمة مرهون بمدى شجاعة المجتمع الدولي في إحداث إصلاح هيكلي حقيقي لمجلس الأمن. فبدون إعادة هيكلة تضمن العدالة والفاعلية وتمنع الارتهان لحق الفيتو، ستظل إرادة السلام الدولية رهينة لتوازنات القوى الضيقة.
بقلم/ عميد شرطة (حقوقي)
محمد علي عبد الله عبد الدائم
