اصطناعُ فقاعةٍ في المشهد، ثم تركُ الجميع ينشغل بضخامتها، حتى يصبح الصخب هو المشهد، ويصبح ما وراء المشهد مجرد ظلٍّ لا يراه أحد.
بطلٌ يترجل الساحة…
وآخرون يتهيأون للدخول.
والجمهور يصفق.
لكن القضية ليست النزال.
وليست فيمن خرج، ولا فيمن بقي، ولا فيمن ينتظر دوره تحت الضوء.
القضية في أن ينشغل الجميع بما يحدث فوق الخشبة، بينما هناك أشياء أخرى تُدار في مكانٍ لا تصله الأضواء.
أشياء لا تحتاج إلى جمهور.
ولا تحتاج إلى تصفيق.
يكفي أن تمر…
أن تمرّ بهدوء، بينما العيون مشدودة إلى الفقاعة.
وكلما كبرت الفقاعة، ازداد الصخب حولها.
وكلما ازداد الصخب، أصبح من الصعب أن يسمع أحد ذلك الصوت الخافت القادم من بعيد.
صوت وطنٍ أثقلته الأيام.
وصوت أرضٍ لم تعد تعرف إن كان ما يسقيها ماءً أم دماءً أم شيئًا آخر.
والغريب أن الدماء لا تزال تجد طريقها إلى التراب، رغم أن الجميع يتحدث عن نهاية، وعن بداية، وعن أبوابٍ تُفتح، وأخرى تُغلق.
كأن الأرواح يمكن أن تنتظر.
وكأن الذاكرة قصيرة.
وكأن ما حدث بالأمس يمكن أن يصبح غدًا مجرد تفصيلٍ صغير في هامش المشهد.
أما الناس…
فهم في مكانٍ آخر.
هناك حيث لا تصل الكاميرات دائمًا.
حيث يصبح السؤال عن الغد أكثر إلحاحًا من السؤال عن العناوين.
وحيث لا تكفي الخطب، ولا البيانات، ولا كثرة الحديث.
هناك أمٌّ تحسب ما تبقي في يدها.
ورجلٌ ينظر إلى ما كان يشتريه بالأمس، فلا يعرف كيف يشتريه اليوم.
وهناك وطنٌ كامل يحاول أن يفهم:
كيف أصبح كل شيء قابلًا للنقاش…
إلا حياة الناس؟
السياسة ليست بالعمياء.
لكنها أحيانًا ترتدي قناعًا يجعلها ترى ما يُراد لها أن ترى، وتترك خلفها ما لا يريد أحد أن يُرى.
ولهذا لا أسأل عن البطل الذي ترجل.
ولا عن المسرح الذي ازدحم.
ولا عن الفقاعة التي صارت أكبر من المشهد.
أسأل فقط:
ماذا يحدث حين ينتهي التصفيق؟
من يبقى؟
وماذا يبقى؟
ومن سيدفع ثمن كل هذا الصخب حين تهدأ الأصوات؟
لا أملك إجابة.
وربما لا أريد أن أملكها الآن.
فبعض الإجابات حين تُقال مبكرًا، تفقد معناها.
وبعض الحقائق لا تحتاج إلى أن تُقال…
يكفي أن يعرفها من يعرف كيف يقرأ ما بين السطور.
أما أنا، فسأترك الستارة نصف مفتوحة.
فقط بما يكفي لأن يرى من يستحق أن يرى.
والبقية…
فليستمروا في النظر إلى الفقاعة.
أما…
الآن أكتب إلى الجيل القادم:
إن وجدتم سفينة نوح في هذا الوطن، فلا تترددوا.
اصنعوا لأنفسكم مستقبلًا لا يشبه هذا المشهد.
اصنعوا وطنًا لا يحتاج إلى فقاعة كي ينشغل الناس به.
وطنًا لا تُدفن فيه الحقيقة تحت الصخب.
وعذرًا…
فقد فشلنا في أن نصنع لكم المستقبل الذي كنّا نحلم به.
لكن ربما…
ربما لم تنتهِ الحكاية بعد.
هذا هو الوطن.
بعض الأبواب تبقى مواربة…
فالقلم حين يتعب من الشرح، يصبح الصمت أحيانًا أكثر وضوحًا من الكلام.
✍️…..
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا امرأةٌ من حبر النار.
✒️ عبير نبيل محمد
