حين يتحدث التاريخ عن الأوطان التي تُعمد بالدم وتصان بالرجال، يبرز السودان في طليعة الأمم التي قدم أبناؤها أغلى التضحيات صوناً لترابها وسلامة نسيجها الاجتماعي. وفي قلب هذه الملحمة الوطنية الكبرى، يبرز جهاز الأمن والمخابرات العامة كأحد أهم القلاع الحصينة والأعمدة الصلبة التي قامت عليها منعة الدولة. لم يكن هذا الجهاز الفتي مجرد مؤسسة أمنية تقليدية، بل كان عقيدة وطنية متكاملة عنوانها الأبرز: “السودان أولاً، وفوق كل اعتبار”، فحزبه الوحيد هو السودان، وولاؤه المطلق لترابه وقيادته وقواته المسلحة.
منذ بواكير وأواخر حقبة الثمانينات، وفي ظل إقليم ملتهب وتحديات جسام محيطة بالبلاد، نشأ هذا الجهاز ليكون العين الساهرة والدرع الواقي. لقد أثبت منتسبو الجهاز منذ اللحظات الأولى أن ولاءهم الخالص هو للسودان وحده، مترفعين عن الخنادق الحزبية والضيقة، ومؤمنين بأن أمن السودان واستقراره هما الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. عمل الجهاز في صمت مطبق بعيداً عن صخب الأضواء، ليضع اللبنات الأولى لعمل أمني محترف يستبق الأزمات ويحتوي المخاطر بحنكة واقتدار، مسطراً أروع ملاحم الفداء منذ انطلاقته الأولى.
لم تكن طريق الحفاظ على استقرار السودان مفروشة بالورد؛ فقد تداعت قوى الشر والعدوان عبر تاريخ السودان الحديث للنيل من وحدته واستقراره. فمن ساحات القتال في جنوب السودان حيث قدم الجهاز قوافل تلو القوافل من الشهداء الأبرار، مروراً بتلك الحقبة المفصلية من تسعينيات القرن الماضي وما حملته من تحديات أمنية وسياسية بالغة التعقيد وحصار وتآمر، ظل الجهاز الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كل محاولات الاستهداف الخارجي والداخلي، عازماً بكل صدق وثبات على حماية وحدة النسيج الاجتماعي السوداني المتفرد.
وفي عام 2005، حين واجهت البلاد إثر رحيل الدكتور جون قرنق موجات عارمة من الفوضى الخلاقة والأحداث المؤسفة التي كادت أن تعصف بالاستقرار وتفتك بالنسيج الاجتماعي في العاصمة وبعض المدن، كان جهاز الأمن والمخابرات العامة في الموعد تماماً. فقد تعامل مع تلك الهزات بحنكة بالغة ومهنية احترافية عالية، امتص من خلالها صدمة الشارع وأحبط مخططات الفوضى الممنهجة، حافظاً دماء المواطنين ومستنداً إلى بصيرة نافذة منعت انزلاق البلاد نحو الهاوية.
وتتواصل السيرة العطرة للتضحيات في ملحمة مايو 2008، حينما حاولت قوى التمرد استهداف العاصمة القومية. في تلك اللحظة الفارقة، كان جهاز الأمن والمخابرات العامة في طليعة القوى التي امتصت الصدمة الأولى ببطولة وثبات منقطع النظير، مقدماً 57 شهيداً في لحظة واحدة، يتقدمهم الفتى الأبنوسي الشهيد تاج الدين إبراهيم عجوبة، والشهيد طارق عبد المنعم، والشهيد سعود، لتسجل دماؤهم الزكية ملاحمة فداء خالدة تتوارثها الأجيال.
لم تقتصر كفاءة الجهاز على الميدان المحلي فحسب، بل امتدت لتلامس الاحترافية الاستخباراتية العالمية بأعلى معاييرها؛ ويبرز في هذا السياق الإنجاز أمني الفذ المتمثل في القبض على المطلوب الدولي البارز “كارلوس”، الذي استطاع الإفلات من أعتى أجهزة المخابرات العالمية لفترات طويلة، ليثبت الجهاز كفاءته العالية في حماية الأمن القومي والإقليمي. وإلى جانب ذلك، برزت الدبلوماسية الأمنية للجهاز من خلال عمله الخارجي باحترافية ومهنية عالية أسهمت بفاعلية في كسر الجمود الدبلوماسي مع العديد من الدول، وتوج ذلك بدوره المتعاضم في إذابة الجليد وكسر الجمود الذي طال أمده في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والسودان، وصولاً إلى تحقيق خطوات استراتيجية مهمة توجت برفع جزئي للعقوبات عن البلاد.
وعلى الصعيد الميداني، أدرك الجهاز مبكراً أن قوة السودان تكمن في وحدة وتناغم مؤسساته، فظل يقف سنداً وعضداً لقوات شعبنا المسلحة ولقائده العام، ومتناغماً مع الشرطة وبقية الأجهزة النظامية الأخرى، لتشكل هذه المنظومة طوق نجاة للبلاد في أحلك الظروف. ولم يتخلف الجهاز يوماً عن تلبية نداء الواجب، فحين هبت رياح المعركة الفاصلة في “معركة الكرامة” الوطنية ضد مليشيات الدعم السريع الإرهابية، كان جهاز الأمن والمخابرات العامة في قلب المشهد الوطني، مشاركاً بفاعلية وبطولة يعجز اللسان عن وصفها لدحر العدوان وحماية مكتسبات الأمة. ولم يكتفِ بذلك، بل رفد جبهات العز والكرامة بطلائع واعدة من الشباب الأماجد الذين يحملون همّ هذا الوطن في وجدانهم وعقيدتهم، فخاضوا غمار المعارك باسلين، وذادوا عن حياض الوطن بصلابة وعزم لا يلين.
ولم يكن الدور المجتمعي والخدمي للجهاز بأقل شأناً من دوره الأمني؛ فقد امتدت أياديه البيضاء لتشمل مكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود بكفاءة واحترافية عالية، حمايةً للمجتمع من آفة المخدرات والجرائم المستحدثة التي تستهدف عقول الشباب وسلامة الوطن. وإلى جانب ذلك، عرف عن الجهاز رعايته الدائمة للنابغين والمتفوقين من أبناء الشهادة السودانية، وتشجيعه المستمر للتميز الأكاديمي، فضلاً عن احتضانه ورعايته للمبدعين والفنانين والمثقفين الذين يمثلون وجدان الأمة وضميرها الحي. كما برزت بصمات الجهاز بوضوح جلي من خلال إطلاق وتبني العديد من المبادرات الوطنية الكبرى لرتق النسيج الاجتماعي، وتعزيز أواصر التعايش السلمي، واحتواء الخلافات القبلية والجهوية بحكمة بالغة، فضلاً عن تقديم البرامج والمطروحات الاستراتيجية التي تسهم في استباق الأزمات وقطع دابر الفتنة، ليكون دائماً مؤسسة فكرية وأمنية تعمل بروح المبادرة والعطاء المستمر.
إن الدور الوطني الشامخ الذي لعبه الجهاز، ووقوفه السد المنيع كطود شامخ يمسك بملفات هؤلاء المرتزقة والعملاء الذين يعملون وفق أجندات أجنبية ودول خارجية، جعل منه هدفاً دائماً لأحزاب الارتزاق والعمالة ومن سار في فلكهم. لقد حاولت هذه الدوائر مراراً وتكراراً شيطنة هذا الجهاز الوطني والنيل من سمعته ومنتسبيه في أحلك الظروف وأصعبها. لكن جهاز الأمن والمخابرات العامة أثبت بالدليل القاطع، وبمواقفه الراسخة وتضحياته الجسام، أنه صخرة تتكسر عليها كل مؤامرات الخونة والمرتزقة، وظل مرابطاً بوطنية خالصة، يروي بدمائه ودماء شهدائه طهارة هذا السودان الحبيب.
وعلى الرغم من كل حملات التشويه الممنهجة، يظل التاريخ هو الشاهد الأصدق. إن دماء شهداء الجهاز الأبرار تظل منارة تضيء درب المستقبل، وتؤكد يوماً بعد يوم أن جهاز الأمن والمخابرات العامة هو نبض هذا الشعب ودرعه الحصين، مقدماً الغالي والنفيس ليبقى السودان حراً، عزيزاً، ومستقراً.
