تعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على الساحل الغربي لليمن ومضيق باب المندب تحولاً استراتيجياً في موازين القوى البحرية والإقليمية. يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة من تجارة النفط والسلع العالمية المتجهة إلى قناة السويس.
أولاً: أهداف الحوثيين من السيطرة على باب المندب
تتداخل الأهداف الميدانية والسياسية للجماعة من وراء تحكمها بهذا الممر المائي الاستراتيجي:
1- امتلاك أوراق ضغط وردع إقليمي ودولي:
يمنح الإشراف المباشر على باب المندب الجماعة القدرة على التهديد بالتأثير على حركة التجارة الدولية وشحنات الطاقة، مما يحولها من طرف محلي في نزاع يمني إلى لاعب أساسي مؤرق للقوى الإقليمية والدولية.
2- تعزيز التموضع ضمن “محور المقاومة”:
تتقاطع تحركات الجماعة مع الاستراتيجية الإيرانية لتوسيع جبهات المواجهة والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين عبر أمن الملاحة والطاقة.
3- فرض كسر الحصار وتحسين الشروط التفاوضية:
تسعى الجماعة لاستخدام التهديد البحري كورقة مقايضة لرفع القيود عن الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرتها، وفرض شرعيتها كطرف أمر واقع يسيطر على المنافذ البحرية الحيوية.
4- حرمان الحكومة اليمنية من رئة اقتصادية:
السيطرة على الموانئ الحيوية كالحديدة والمخا والجزر المجاورة تضعف النفوذ الميداني للقوات الحكومية وتجردها من موانئ استراتيجية للتجارة والواردات.
ثانياً: التأثيرات والانعكاسات على دول المنطقة
تلقي السيطرة على باب المندب بظلالها الأمنية والاقتصادية على العديد من الفاعلين الإقليميين:
1- مصر وقناة السويس
- تراجع الإيرادات: أي اضطراب أو تحويل لمسارات السفن التجارية بعيداً عن البحر الأحمر باتجاه طريق رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى تراجع حركة الملاحة بقناة السويس، مما يؤثر على أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر.
- الأمن القومي البحري: تعتبر حماية البحر الأحمر وباب المندب امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.
2- المملكة العربية السعودية ودول الخليج
- أمن الطاقة وسلاسل الإمداد: تهديد الملاحة البحرية وناقلات النفط يزيد من تكاليف التأمين البحري والمخاطر على شحنات البترول، ويعرقل استقرار أسواق الطاقة الإقليمية.
- أمن الحدود والموانئ الجنوبية: تفرض سيطرة الجماعة على الساحل الجنوبي الغربي مخاطر أمنية مباشرة على طول الحدود والمياه الإقليمية المجاورة.
3- إسرائيل
- تهديد خطوط الإمداد: يشكل وجود الحوثيين على باب المندب مخاطر على حركة الملاحة الإسرائيلية المتجهة إلى ميناء إيلات عبر خليج العقبة والبحر الأحمر.ك
4- الدول المشاطئة للبحر الأحمر (السودان، جيبوتي، إريتريا)
- انعكاسات أمنية واقتصادية: تنعكس التوترات البحرية على حركة التجارة الاستيرادية والتصديرية لهذه الدول، وتزيد من التواجد العسكري الأجنبي وقواعد القوى الدولية في منطقة خليج عدن وجيبوتي لضمان أمن الملاحة.
الخلاصة
تتجاوز سيطرة الحوثيين على باب المندب نطاق الصراع المحلي لتصبح قضية أمن بحري وإقليمي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والعسكرية لدول المنطقة مع القوى الدولية. وتظل استعادة التوازن في البحر الأحمر رهنة بالتوافقات السياسية أو الترتيبات الأمنية الدولية الكفيلة بضمان حرية حركة الملاحة والتجارة العالمية.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي)
محمد علي عبدالله عبد الدائم
