🌹 عَنْقَاءُ الحُرُوفِ… حِينَ يَثْقُلُ الوَقْتُ 🌹
❀ نَثْرٌ شِعْرِيٌّ مِنْ دَفْتَرِ الرُّوحِ ❀
❀──────────────❀
هذه أنا…
لا أحكي عن امرأةٍ تشبهني،
ولا أكتب عن وجعٍ مرّ من بعيد،
أنا أكتبني كما أنا،
حين يصبح الصمت أصدق من الكلام،
وحين أفقد شغفي بالأشياء التي كانت يومًا تمنح قلبي سببًا للابتسام.
أكتبني حين لا يعود في القلب متّسعٌ للمجاملات،
وحين تسقط عن الروح كل الأقنعة التي أتقنت ارتداءها طويلًا،
فلا يبقى أمامي إلا أنا…
أنا كما أنا، بلا زينةٍ للكلمات، ولا محاولةٍ لتجميل ما يؤلم.
كأن عقارب الساعة استقرت بين راحتي،
أحسب دقاتها واحدةً واحدة،
وأراقب الوقت وهو يمضي ببطءٍ غريب،
بينما شيءٌ في داخلي لا يمضي.
يمضي النهار،
وتتعاقب الساعات،
وتتبدل الأشياء من حولي،
لكن بعض اللحظات لا تعرف طريق الرحيل؛
تبقى معلقةً في الروح،
كأن الزمن مرّ بجانبها ونسي أن يأخذها معه.
❀──────────────❀
لم أعد أشعر بالأشياء كما كنت.
الحب بعيد،
والحياة تبدو كأنها واقفة خلف نافذةٍ لا أملك مفتاحها،
والرغبة في المضيّ تتوارى أحيانًا خلف تعبٍ طويل.
ليس لأنني لم أعد أعرف الطريق،
بل لأن كثرة ما عبرته جعلت الطريق نفسه يبدو بعيدًا،
وكأن بيني وبين الحياة مسافةً لا تُقاس بالخطوات،
بل بما حملته الروح من أعوام.
كأنني تقسمت إلى أجزاء مبعثرة
على عتبات الوقت؛
جزءٌ تركته الأيام في مكان،
وجزءٌ أخذه الفقد،
وجزءٌ ما زال يبحث عني
بين ما كنتُه وما صرتُ إليه.
وأحيانًا أتساءل:
أيّ الأجزاء ما زال يشبهني؟
وأيّها صنعته الأيام على صورتها؟
وأيّها أخفيته طويلًا حتى نسيت أنه كان يومًا جزءًا مني؟
❀──────────────❀
كأنني أبحث عن امرأةٍ كنتها ذات يوم،
أفتش عنها في ملامح الذاكرة،
في الأشياء التي أحببتها،
وفي تلك الضحكة التي كانت تأتي بلا موعد،
ثم أعود إليّ
ولا أجد سوى امرأةٍ تعرف كيف تصمت أكثر مما تعرف كيف تشرح.
امرأةٌ تعرف أن بعض الحكايات لا تحتاج إلى رواية،
وأن بعض الصمت ليس فراغًا،
بل كلامٌ كثيفٌ عجزت الحروف عن حمله.
حتى الهواء من حولي
صار مشحونًا بثقل أوجاعي،
وخطواتي أصبحت أثقل من دموعٍ خبأتها طويلًا،
لكنني، رغم ذلك، أمشي.
أمشي لا لأن الطريق خفيف،
ولا لأنني أعرف تمامًا إلى أين،
بل لأن في داخلي شيئًا صغيرًا
يرفض أن يتوقف.
شيءٌ يشبه ومضةً بعيدة،
لا تكفي لإنارة الطريق كله،
لكنها تكفي لأعرف أن العتمة ليست كل شيء.
❀──────────────❀
أنا عنقاءٌ احترقت كثيرًا،
حتى صار الأنين بعضًا من حروفها،
وصار الرماد ذاكرةً لا تخيفها.
ولأنني عرفت النار،
لم يعد الرماد بالنسبة إليّ نهايةً،
بل أثرًا لما مرّ،
وشاهدًا على أنني كنت هنا،
وأنني عبرت من بين اللهيب وما زلت أملك حرفًا أكتبه.
لقد عرفت الرماد طويلًا،
وعرفت كيف يمكن للروح أن تتعب
دون أن يلاحظ أحد،
وكيف يمكن للإنسان أن يبدو واقفًا
بينما تتساقط داخله أشياء كثيرة.
عرفت أيضًا أن أكثر الانهيارات وجعًا
هي تلك التي تحدث في الداخل بصمت،
فلا يسمع لها أحد صوتًا،
ولا يرى لها أحد دخانًا،
بينما تكون الروح في حاجةٍ إلى نافذةٍ واحدة
تتنفس منها.
❀──────────────❀
لكنني أعرف أيضًا
أن ما ينكسر في الروح
لا يعني بالضرورة أن النور قد انتهى.
فبعض الشقوق، مهما أوجعت،
تترك للضوء مكانًا كي يعبر.
فالنور أحيانًا
لا يأتي صارخًا كالشمس،
قد يأتي خافتًا،
كفكرةٍ صغيرة تقول لنا:
ما زال هناك شيءٌ يستحق أن يُكتب.
وقد تكون الكتابة نفسها
ذلك الخيط الرفيع الذي يمسك بنا
حين تظن الروح أنها أفلتت من كل شيء.
❀──────────────❀
هذه أنا…
ترجمانُ حالي حين يعجز الكلام،
وصوتُ داخلي حين تضيق الكلمات،
امرأةٌ فقدت أشياء كثيرة،
وأضاعت من عمرها وقتًا لا يعود،
وتعبت من البحث عن نفسها
بين الركام الطويل للأيام.
امرأةٌ لم تعد تريد من الحياة كثيرًا؛
فقط بعض السكينة،
بعض الصدق،
نافذةً يدخل منها الهواء دون أن يحمل معه كل هذا الثقل،
وقلبًا يستطيع أن يشعر
دون أن يخاف من وجعٍ جديد.
امرأةٌ تريد أن تجلس مع نفسها مرةً واحدة
دون أن تضطر إلى الدفاع عنها،
أن تنظر إلى وجهها في مرآة الروح
ولا تسأل: أين ذهبت تلك التي كنتها؟
❀──────────────❀
لكنني لا أريد أن أجعل وجعي نهاية الحكاية.
لا أريد أن يكون ما فقدته
أكبر من كل ما بقي فيّ.
فما بقي فيّ، وإن كان قليلًا،
ليس قليلًا حين يكون هو الشيء الذي يدفعني إلى الاستمرار.
سأترك لهذه الكلمات نافذة،
وللروح منفذًا صغيرًا نحو الضوء.
فربما لا يكون النور دائمًا شمسًا كاملة؛
ربما يكون كلمة،
أو نفسًا هادئًا،
أو لحظةً نستعيد فيها شيئًا من أنفسنا،
أو يدًا تمتد إلينا دون سؤال،
أو حرفًا يأتي في اللحظة التي نظن فيها
أن الكلام قد غادرنا إلى الأبد.
❀──────────────❀
وربما يكون النور أحيانًا
أن نكتشف أننا، رغم كل ما انطفأ فينا،
ما زلنا قادرين على أن نشعل شمعةً صغيرة
في عتمة القلب.
وسأكتب…
سأكتب لأن بعض الأوجاع
لا تجد خلاصها إلا حين تتحول إلى حروف.
سأكتب لأنني لا أريد لرمادي
أن يكون مجرد بقايا احتراق.
أريده شاهدًا،
أريده ذاكرةً،
أريده بدايةً أخرى لحكايةٍ لم تنتهِ بعد.
سأكتب لعل الكلمات التي خرجت من أعمق نقطة في وجعي
تعانق أبعد نقطة ضوء
عند حدود السماء.
❀──────────────❀
ولعل حرفًا واحدًا مما أكتبه
يصل إلى روحٍ تشبهني،
فتعرف أنها ليست وحدها في هذا الطريق،
وأن بعض الصمت يمكن أن يجد له يومًا لغة.
لعل «عنقاء الحروف»
لا تحتاج أن تنكر رمادها،
بل أن تعرف كيف تصنع منه جناحين.
فهي لا تعود من النار كما كانت،
بل تعود وهي تعرف قيمة الضوء،
وتعرف أن ما احترق فيها
لم يكن كله خسارة،
فبعض النار تصنع في الروح قدرةً جديدة على البدء.
❀──────────────❀
هذه أنا…
وجعي ليس كلّي،
وتعبي ليس اسمي،
وما فقدته ليس كل ما أملك،
والوقت الذي أثقل قلبي
لن يكتب وحده خاتمتي.
فما زال في داخلي حرفٌ لم يُكتب،
ونافذةٌ لم تُفتح،
وضوءٌ لم يصل بعد.
وما دام في القلب حرفٌ مؤجل،
فالحكاية لم تقل كلمتها الأخيرة.
❀──────────────❀
أنا عنقاء الحروف…
وحين يضيق بي العالم،
أترك للحرف أن يفتح لي نافذة.
وحين تضيق النافذة،
أبحث عن سماءٍ تتسع للحرف،
وحين يثقل الوقت،
أترك للكلمة أن تحمل عني بعض ما عجزت الأيام عن حمله.
هنا تنهض عنقاء الحروف…
امرأةٌ من حبر النار،
كلما أحرقها الوجع
كتبت من رماده نورًا،
ومن صمتها وطنًا،
ومن حروفها جناحين.
❀──────────────❀
ليست عودتها إنكارًا لما حدث،
ولا ادعاءً بأن النار لم تحرق شيئًا،
بل اعترافٌ بأن الإنسان قد يخرج من رماده
وهو يحمل آثار النار،
لكنّه يحمل معها القدرة على أن يبدأ من جديد.
وهذه أنا…
لا أقول إنني شُفيت من كل شيء،
ولا أدّعي أن الطريق صار خفيفًا،
لكنني أعرف الآن
أنني ما زلت هنا.
أكتب.
وما دمت أكتب،
فثمّة نافذةٌ ما زالت مفتوحة،
وثمّة نورٌ لم يصل بعد،
وثمّة عنقاءٌ في داخلي
لم تقل كلمتها الأخيرة.
❀──────────────❀
✍️…
╔═══ ❀ عَبِيرُ نَبِيلٍ مُحَمَّد ❀ ═══╗
║ «عَنْقَاءُ الحُرُوفِ | وَمَا لَمْ يَقُلْهُ القَلْبُ… كَتَبْتُهُ أَنَا.» ║
╚═══════════════════════════════╝
