التحفظات في هذا الامر من بعض المواطنين والقانونيين مشروعة، لكنها تخلط بين التزامات دولية حقيقية مثل قانون FATCA الأمريكي وبين آليات التنفيذ المحلية في السودان. بنك الخرطوم يطلب من العملاء التوقيع على إقرار يتعلق بالإفصاح للسلطات الأمريكية، لكن هذا الإجراء لا ينبغي ان يكون موجها لكل العملاء، بل مرتبطا فقط بالحالات التي قد تنطبق عليها معايير FATCA (مثل الجنسية الأمريكية أو الإقامة الطويلة في الولايات المتحدة). حتى الآن، لا يوجد دليل منشور رسمي من بنك السودان المركزي يلزم جميع العملاء السودانيين غير الأمريكيين بهذا التفويض، وإنما هو جزء من نماذج التحديث التي تتضمن أسئلة (FATCA Foreig Account Tax Compliance Act) بشكل عام، وهو قانون امريكي يلزم البنوك حول العالم بالإفصاح عن حسابات العملاء الأمريكيين للـIRS (مصلحة الضرائب الأمريكية).
نموذج التحديث في بنك الخرطوم يتضمن أسئلة مباشرة عن الجنسية الأمريكية، الإقامة، أو الارتباطات بالولايات المتحدة. إذا أجاب العميل بـ(لا)، يفترض ألا يترتب عليه إلزام بالإفصاح. اما من جهة بنك السودان المركزي فتوجيهه بخصوص تحديث البيانات جاء استجابة لرؤية البنك في مكافحة الاتجار بالعملة، وتحديث البيانات المتعلقة بمصادر دخل ونشاط اصحاب الحسابات، لكنه لم يذكر نصا يلزم جميع العملاء بتوقيع تفويض خاص بالولايات المتحدة.
علبه فان أن أي تفويض عام بالإفصاح عن البيانات يجب أن يستند إلى سند قانوني واضح، وأن السرية المصرفية حق أصيل للعميل.
هذا وتجدر الاشارة ان كثير من البنوك الخليجية تفرض على عملائها مشاركة معلومات عمليات التحويل الخارجية مع جهات تنظيمية او دولية (غالبا السلطات الرقابية الدولية أو مزودي خدمات الدفع)، وهو في جوهره امتداد لمتطلبات FATCA وCRS (Common Reporting Standard)، وذلك لضمان الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، وأيضا لتلبية التزامات الإفصاح الضريبي الدولي. هذه الرسائل عبر التطبيقات البنكية ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي وسيلة لإثبات موافقة العميل على الإفصاح، حتى لا يعتبر البنك قد انتهك السرية المصرفية دون سند. وفي معظم الحالات، التفويض يكون مرتبطا بالتحويلات الدولية، لا بالتحويلات المحلية، لأن الالتزامات الدولية تركز على حركة الأموال عبر الحدود.
والفرق بين الحالة الخليجية والسودانية انه في الخليج، هناك وضوح أكبر البنك يربط التفويض مباشرة بالتحويل الخارجي، ويعلم العميل أن بياناته ستشارك مع جهات خارجية. بينما في السودان وكما ظهر في نموذج بنك الخرطوم، التفويض جاء عاما وغير محدد، مما أثار الجدل القانوني حول مشروعيته ونطاقه.
ايضا البنوك الخليجية ملزمة بتطبيق هذه المعايير لأنها جزء من النظام المالي العالمي، ولأنها تتعامل مع بنوك مراسلة في أوروبا وأمريكا، لذلك أي تحويل خارجي يمر عبر شبكة SWIFT أو بنوك مراسلة يتطلب الإفصاح والشفافية، والبنك المحلي يحمل العميل مسؤولية الموافقة على مشاركة بياناته.
د. لؤي عبد المنعم
الخبير المصرفي
