الإثنين, سبتمبر 14, 2026
الرئيسيةمقالاتأحمد حامد أحمد ياسين.. رجلٌ صنع من المستحيل ممكنًا ...

أحمد حامد أحمد ياسين.. رجلٌ صنع من المستحيل ممكنًا الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

✒️ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

اليوم، لم أجلس أمام وزيرٍ لأكتب عنه.

جلست أمام رجلٍ لا يتكرر.

وهذه هي المسافة التي صنعت هذا المقال.

فالوزراء كثيرون، والمناصب تتبدل، والكراسي لها بدايات ونهايات، لكن بعض الرجال، حين تجلس إليهم، تشعر أن المنصب أصبح أصغر من صاحبه، وأن الإنسان الذي أمامك أكبر من اللقب الذي يحمله.

هكذا رأيت الأستاذ أحمد حامد أحمد ياسين.

رجلٌ هادئ الطبع، طيب المعشر، جميل الابتسامة، صبور في حديثه، لا تبحث في ملامحه عن ضجيج المسؤول، وإنما عن إنسان يعرف معنى أن يحمل أمانة ثقيلة دون أن يجعلها عبئًا على الآخرين.

رجلٌ لا يبدو لك، لأول وهلة، أنه يخوض معركة.

ثم تنظر إلى ما حوله، فتكتشف أنه يخوضها كل يوم.

التعليم في زمن الحرب ليس سفينةً تسير في بحرٍ هادئ.

إنها سفينةٌ تمضي وسط أمواجٍ عاتية، تحمل على متنها أجيالًا كاملة، وكل ما يملكه ربانها أن يعرف كيف يحافظ عليها من الغرق.

وهنا بدأت أفهم الرجل الذي أمامي.

فحين تعطلت أشياء كثيرة، لم يكن أمام التعليم خيار الرفاهية.

كان عليه أن يستمر.

وحين أصبح النزوح واقعًا، لم تعد المدرسة تنتظر أبناء الولاية وحدهم.

وحين ضاقت الموارد، أصبحت كل ورقة امتحان، وكل كتاب، وكل مقعد، وكل معلم، جزءًا من معركة أكبر.

معركة ألا يغرق جيلٌ كامل في بحر الجهل بسبب الحرب.

ولذلك أعجبتني فيه فكرةٌ لا تُرى في الأرقام وحدها.

هذا الرجل لا يتعامل مع التعليم كملف إداري يُغلق في نهاية اليوم.

يتعامل معه كرسالة.

والرسالة، حين تكون بهذا الحجم، تحتاج إلى رجلٍ يعرف كيف يصنع من شراعٍ صغير وسيلةً لعبور بحرٍ كبير.

وربما لهذا تخيلته اليوم كأنه صاحب سفينةٍ تحطمت أشرعتها، لكنه لم يجلس على حطامها ينتظر النجدة.

صنع من شراعها سفنًا.

وحين لم تعد السفن تكفي، صنع ما هو أعمق:

غواصة.

غواصةٌ لا تخاف من العمق.

تنزل إلى الأماكن التي لا يصل إليها الضوء، تبحث عن غريق، لا تسأل من أي مدينة جاء، ولا من أي مدرسة خرج، ولا لماذا ألقى به زمن الحرب في ذلك البحر.

كل ما تعرفه أن هناك إنسانًا يجب أن يُنتشل.

وهكذا أرى التعليم.

أن تمتد يد الوزارة إلى أبعد طالب، وأصعب مدرسة، وأشد الظروف، وأن تقول:

لن نتركك في ظلمات الجهل.

هذه ليست بطولةً فردية.

فخلف الوزير وزارةٌ كاملة، وخلف الوزارة معلمون وإدارات وعاملون، وخلف الجميع قيادةٌ سياسية ومؤسسات تدعم وتوفر وتتابع.

لكن القيادة الحقيقية تظهر حين يعرف المسؤول كيف يجمع هذه الطاقات في اتجاه واحد.

وهنا يأتي تقديري لهذا الرجل.

أحمد حامد أحمد ياسين ليس رجلًا يرفع صوته ليُثبت أنه موجود.

وجوده يُقرأ في هدوئه.

في صبره.

في ابتسامته.

وفي تلك الطريقة التي يتعامل بها مع الناس دون أن يجعل المنصب حجابًا بينه وبينهم.

والأجمل أن الطيبة عنده لا تبدو ضعفًا.

فالهدوء ليس عجزًا.

والابتسامة ليست غفلة.

والصبر ليس استسلامًا.

ورجلٌ لا يقبل الظلم، يعرف أن التربية، قبل أن تكون مناهج وامتحانات، هي قيمٌ وعدلٌ وإنسان.

لهذا لم أرَ اليوم وزير التربية والتوجيه فقط.

رأيت رجلًا يحمل على كتفيه سؤالًا أكبر:

كيف نحمي عقل هذا الجيل من أن تهزمه الحرب؟

فالحرب يمكن أن تهدم جدار مدرسة، لكن الأخطر أن تهدم معنى المدرسة في نفوس الأطفال.

يمكن أن تؤخر كتابًا، لكن الأخطر أن تؤخر الحلم.

يمكن أن تشتت أسرة، لكن الأخطر أن تشتت مستقبل أبنائها.

ومن هنا يصبح التعليم مقاومةً من نوع آخر.

لا بندقية فيها.

ولا ضجيج.

فقط كتاب، ومعلم، وسبورة، وطفل يجلس على مقعده، ومسؤول يؤمن أن هذا الطفل يستحق فرصة.

وإذا كان للنجاح أرقامٌ تُكتب في التقارير، فإن للإنجاز وجهًا آخر لا تستطيع الأرقام أن تصفه.

ذلك الوجه هو الإنسان.

المعلم الذي واصل.

والطالب الذي جلس للامتحان.

والإدارة التي لم تتوقف.

والوزارة التي ظلت تبحث عن الحلول.

والوالي الذي ساند ودعم.

وكل يدٍ امتدت حتى لا يسقط التعليم.

لهذا، حين أكتب، لا أريد أن أكتب:

هذا الوزير فعل… وهذا الوزير أنجز…

فهذا مكانه التقرير.

أما أنا، فأريد أن أكتب عن الرجل الذي رأيته خلف المنصب.

رجلٌ هادئٌ في زمن الضجيج.

صبورٌ في زمن الاستعجال.

بشوشٌ في زمن أثقلت فيه الوجوه.

ورجلٌ يحمل قضيةً أكبر من كرسيه.

قضية اسمها:

التعليم.

ولأنني امرأةٌ من حبر النار، أعرف أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى كثير من الحبر كي نكتبهم؛ يكفي أن نجلس أمامهم قليلًا، فنكتشف أن الحكاية أكبر من المقال.

اليوم، جلست أمام رجلٍ شعرت أن مهمته لم تكن أن يحرس وزارة.

بل أن يحرس نورًا.

نورًا إذا انطفأ، لم تخسر ولاية نهر النيل مدرسةً واحدة فقط، بل خسر السودان نافذةً من نوافذ المستقبل.

لذلك أقول له:

أيها الرجل الذي لا يتكرر…

ربما لا تستطيع أن تمنع البحر من أن يكون هائجًا.

لكن يكفي أنك لم تسمح للسفينة أن تستسلم.

وربما لا تستطيع أن ترد كل ما أخذته الحرب.

لكن يكفي أنك جعلت التعليم طريقًا لاسترداد ما يمكن إنقاذه.

وربما لا تستطيع أن تنقذ الجميع.

لكن يكفي أنك نزلت إلى العمق، وبحثت عن الغريق، ومددت يدك إلى من استطعت.

من ظلمات الجهل إلى نور العلم…

هناك، في ذلك الطريق، أظن أنني وجدت الرجل الذي جلست أمامه اليوم.

لم أرَ وزيرًا فقط.

رأيت إنسانًا يحمل أمانة.

وهذه، في رأيي، أعظم من كل الألقاب.


✍️……

أنا امرأةٌ من حبر النار…
أكتب حين يصمت الكلام،
وأبحث في أعماق الحكاية عن الإنسان الذي يستحق أن يُرى.

أنا الرسالة حين يضيع البريد،
والحرف حين يشتدّ الظلام،
والعدل عندي ليس شعارًا… بل ميزان.

سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.

✒️ عبير نبيل محمد

#رجل_صنع_من_المستحيل_ممكنًا

#التعليم_في_زمن_الحرب

#التعليم_يحمي_المستقبل

#نهر_النيل

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات