السبت, سبتمبر 12, 2026
الرئيسيةمقالاتالــكــاهــن ...

الــكــاهــن محمد صلاح ابورنات

منذ اندلاع الحرب ظل اسم البرهان حاضرا في كل المشاهد التي صنعتها هذه الحرب لا باعتباره قائدا يجلس بعيدا عن المعارك ويتابع ما يجري من خلف الشاشات وإنما كرجل وجد نفسه في قلب العاصفة، وفي اللحظة التي كان فيها سقوط الدولة يبدو عند البعض مسألة وقت لا أكثر.

لم تكن البداية سهلة، ولا كانت الخرطوم يومها تشبه الخرطوم التي نعرفها. انتشار للمليشيا في وسط العاصمة مواقع عسكرية سقطت واخرى حوصرت طرق مقطوعة ومشهد إعلامي كان بعضه يعلن نهاية المعركة قبل أن تبدأ. في وسط كل هذا بقي البرهان داخل القيادة العامة يتنقل بين المواقع ويظهر وسط جنوده في مشهد لم يكن فيه كثير من الخيارات المتاحة سوى الصمود.

كانت كل ساعة تمر دون سقوط القيادة العامة تعني أن المعركة لم تحسم بعد وأن الدولة لم تسلم مفاتيحها.

ثم جاءت الأيام التي بدأ فيها ميزان المعركة يتغير.
لم يكن التغيير بضربة واحدة وإنما تراكم عمل عسكري وسياسي وأمني بدأ باستيعاب صدمة الحرب ثم إعادة ترتيب الصفوف والمحافظة على تماسك القوات المسلحة وتأمين السلاح والذخيرة وإدارة الاحتياجات العسكرية والمدنية في ظروف استثنائية مع التعامل في الوقت ذاته مع التدخلات والضغوط الخارجية التي أرادت للحرب أن تنتهي وفق حساباتهم.

ولعل أكبر ما يحسب للبرهان وقيادة الجيش أن العام الأول بكل ما حمله من مفاجات وضغط وحصار ومخاطر انتهى ولم تسقط الدولة.

بل بقي الجيش واقفا وبقيت رايته مرفوعة.
وبقيت القيادة العامة للجيش شامخه.

ثم بدأ الجيش ينتقل من الدفاع عن وجوده إلى استعادة المبادرة ومن امتصاص الضربة الأولى إلى الضغط على مواقع التمرد وعادت المواقع التي كان يقال إنها خرجت من يد الدولة إلى يد القوات المسلحة.

وهنا لا بد من الوقوف لان استعادة الأرض ليست مجرد تقدم عسكري على الخريطة وإنما استعادة لمعنى الدولة نفسها. كل شارع يعود وكل مؤسسة تستعيد حضورها وكل موقع تخرج منه المليشيا كان يقول إن الرواية التي أرادت تصوير السودان كدولة انتهت لم تكن سوى أمنية لم تكتمل.

والبرهان في هذه المرحلة لم يعد الرجل الذي يدير معركة بقاء فقط.

الحرب نفسها فرضت عليه أن يتحول من قائد في ميدان مفتوح إلى رجل يدير ملفات دولة كاملة جيش يحتاج إلى التطوير ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء ومدن تحتاج إلى إعمار ومواطنين يريدون العودة إلى بيوتهم ودولة تحتاج إلى استعادة حضورها وهيبتها.

وهذا ربما هو الإنجاز الأكبر الذي لا يظهر دائما في صور المعارك أن تحافظ على الدولة وهي تنزف أن تحافظ على الجيش وهو يقاتل أن تحافظ على القرار الوطني وسط تدخلات الخارج وأن تصل بعد كل ذلك إلى مرحلة يصبح الحديث فيها عن إعادة البناء والتعمير لا عن سقوط العاصمة.

من حق الناس أن يختلفوا مع البرهان ومن حقهم أن ينتقدوا اداءه أو يختلفوا معه في بعض خياراته لكن الإنصاف يقتضي ألا نقرأ الرجل خارج سياق اللحظة التي وجد نفسه فيها

لقد دخل الحرب في ظروف قاسية لكنه خرج منها والجيش أكثر خبرة وأكثر إدراكا لطبيعة التهديدات وأكثر حاجة إلى إعادة البناء والتطوير فيما أصبحت قضية استعادة الدولة وترتيب مؤسساتها وإعادة المواطنين إلى بيوتهم جزءا أساسيا من المرحلة المقبلة.

ولذلك فإن قصة البرهان في هذه الحرب لا تختصر في صورة رجل جلس في قيادة الجيش.

القصة أطول من ذلك.

هي قصة رجل بقي في أصعب لحظة وقاد جيشا كان مطلوبا منه أن يصمد قبل أن ينتصر ثم أن ينتصر قبل أن يبدأ الحديث عن البناء.

واليوم بعد أن تغيرت ملامح المشهد تبدو المسؤولية أكبر من مجرد الاحتفال بما تحقق.

الانتصار الحقيقي ليس أن تربح معركة فقط وإنما أن تجعل من هذا الانتصار بداية لدولة أقوى وجيش أكثر استعدادا ومؤسسات أكثر تماسكا وبلد يعود أهله اليه بعد رحلة نزوح.

وفي تقديري أن البرهان يعرف ذلك جيداً والرجل كما يقول أهلنا عارف نفسه بعمل في شنو.

غضب من غضب ورضي من رضي اختلف الناس حوله أو اتفقوا لكن الوقائع التي صنعتها الحرب تقول إن الرجل لم يغادر موقعه عندما كان المطلوب منه أن يغادر ولم يسلم عندما كان كثيرون ينتظرونه يستسلم.

والكورة اليوم، فعلا مربوطة في رجله كما قال استاذنا محمد حامد جمعة.

والمطلوب منه أن يحسن تسديدها في اتجاه الدولة التي دفع السودانين ثمنا غاليا من أجل بقائها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات