لم يعد «بنكك» مجرد تطبيق للتحويلات المالية. بالنسبة لملايين السودانيين، أصبح جزءاً من الحياة اليومية. به تُدفع قيمة المشتريات، وتُنقل الأموال، وتُسدّد الالتزامات، وتُنجز معاملات يعتمد عليها المواطن والتاجر.
لذلك، عندما يتوقف بنكك، لا يكون الأمر مجرد عطل تقني. توقف الخدمة يعني في بعض الحالات توقف عملية شراء، أو تأخر تحويل، أو تعطّل معاملة تجارية. أي أن المشكلة تنتقل من شاشة الهاتف إلى حركة الاقتصاد.
وحكى لي أحد الإخوة أن مواطناً كان يستقل حافلة داخلية دفع قيمة رحلته عبر بنكك. قد تبدو القصة بسيطة، لكنها تكشف حجم التغيير الذي أحدثته الخدمات المصرفية الرقمية. الهاتف أصبح في بعض الحالات وسيلة الدفع الأساسية، خصوصاً عندما يصعب حمل النقد أو الوصول إلى المصرف.
المشكلة ليست في التطبيق وحده
القضية الأساسية هي استمرارية التشغيل.
وجود بنكك على الهاتف لا يعني أن الخدمة ستكون متاحة عندما يحتاج إليها العميل. فالتطبيق ليس منظومة قائمة بذاتها، وإنما جزء من شبكة تشمل أنظمة البنك، والاتصالات، ومراكز البيانات، والبنية المشتركة للخدمات المصرفية الإلكترونية.
إذا تعطل أي جزء من هذه المنظومة، تظهر النتيجة للمستخدم في عبارة واحدة: (بنكك لا يعمل ) .
وقد يجد بعض العملاء أن الخدمة تعمل على جهاز ولا تعمل على جهاز آخر، كما يحدث أحياناً بين بعض أجهزة آيفون وأندرويد. لكن هذه ليست المشكلة الأساسية. إنها مسألة توافق وتحديث واختبار يجب التعامل معها فنياً. أما المعيار الحقيقي فهو أن تكون الخدمة متاحة ومستقرة للعميل عندما يحتاج إليها.
بنك الخرطوم.. المسؤولية المباشرة
بنك الخرطوم هو المسؤول المباشر عن تشغيل بنكك وجودة الخدمة التي يقدمها.
وهذا يعني مراقبة النظام على مدار الساعة، واكتشاف الأعطال بسرعة، وتحديد أسبابها، وليس فقط إعادة تشغيل الخدمة ثم انتظار العطل التالي.
ويحتاج البنك إلى اختبارات منتظمة للتحديثات، وخطط واضحة لاستعادة الخدمة عند حدوث الأعطال، وبدائل تشغيلية عند تعطل أحد مكونات النظام، إلى جانب التواصل الواضح مع العملاء عند حدوث خلل مؤثر.
العميل لا يريد شرحاً تقنياً طويلاً. يريد أن يعرف ببساطة: هل بنكك يعمل؟ وإذا توقف، متى سيعود؟
بنك السودان المركزي.. الرقابة على الاستمرارية
المسؤولية لا تقع على البنك التجاري وحده.
فقد ألزم بنك السودان المركزي المصارف، بموجب منشور الربط بين التطبيقات المصرفية رقم 2 لسنة 2024، بالعمل على استقرار وإتاحة التطبيقات المصرفية على مدار الساعة.
وهذا يجعل استمرارية الخدمة جزءاً من الرقابة المصرفية، وليس شأناً داخلياً يخص البنك وحده.
المطلوب هنا ليس انتظار شكاوى العملاء بعد توقف الخدمة، وإنما متابعة مؤشرات واضحة: كم ساعة ظلت الخدمة متاحة؟ كم استغرق العطل؟ كم مرة تكرر؟ وما سببه؟ وماذا فعل البنك لمنع تكراره؟
هذه هي الرقابة التي تحتاجها الخدمات المصرفية الرقمية.
اتحاد المصارف وEBS
دور اتحاد المصارف السوداني مهم في تنسيق المعايير والممارسات المشتركة في مجال التقنية المصرفية، لأن الخدمات الرقمية لم تعد قضية تخص مصرفاً واحداً.
أما الشركة السودانية للخدمات المصرفية الإلكترونية EBS، فتأتي مسؤوليتها عندما يكون التشغيل مرتبطاً بالبنية المصرفية الإلكترونية المشتركة.
وهنا يجب أن تكون المسؤوليات محددة بين البنك والمنصة والبنية المشتركة، مع اتفاقيات واضحة لمستويات الخدمة، ومسارات سريعة لمعالجة الأعطال، وخطط بديلة عند توقف أي مكوّن.
في زمن الحرب.. توقف الخدمة أخطر
في الظروف العادية، يستطيع المواطن اللجوء إلى الفرع أو استخدام البطاقة أو الصراف الآلي أو وسيلة دفع أخرى.
لكن السودان يعيش حرباً، وهذه البدائل ليست متاحة دائماً.
لذلك أصبحت استمرارية الخدمات المصرفية الرقمية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فعندما يتوقف بنكك، قد يفقد المواطن في تلك اللحظة وسيلة الدفع، وقد يتعطل تحويل يحتاج إليه، وقد تتوقف معاملة تجارية.
لهذا لا يكفي أن تكون لدينا خدمة مصرفية رقمية. المطلوب خدمة تستطيع الاستمرار في الظروف الاستثنائية، مع تعدد قنوات الاتصال والطاقة ومراكز التشغيل، وخطط واضحة للتعافي واستمرارية الأعمال.
وفي هذا الاتجاه، اتجه بنك السودان المركزي إلى تنظيم قنوات أخرى، ومنها خدمة USSD في منشور عام 2026، لتوفير قناة للخدمات المالية الرقمية لا تعتمد بالطريقة نفسها على الهاتف الذكي أو الإنترنت.
المطلوب ليس البحث عن مذنب
عند كل توقف، ليس المطلوب أن نبحث عن مذنب ونغلق الملف بعد عودة الخدمة.
المطلوب أن نسأل: لماذا توقفت؟ وكيف نضمن ألا تتوقف بالطريقة نفسها مرة أخرى؟
بنك الخرطوم مطالب بمراقبة بنكك وتحليل الأعطال ومعالجة أسبابها. وبنك السودان المركزي مطالب بوضع مؤشرات إلزامية لاستمرارية الخدمة ومراقبتها. واتحاد المصارف مطالب بتنسيق المعايير والخطط المشتركة. أما EBS فعليها تقوية البنية الإلكترونية المشتركة وربطها بخطط واضحة للتعافي واستمرارية الأعمال.
نجاح بنكك لا يقاس بعدد المستخدمين ولا بعدد الخدمات الموجودة في التطبيق فقط.
المقياس الحقيقي هو سؤال أبسط: هل يجد المواطن والتاجر الخدمة عندما يحتاجان إليها؟
في اقتصاد يعيش الحرب، ويعاني نقص النقد وصعوبة الحركة، لم تعد استمرارية الدفع مسألة تقنية. إنها جزء من استمرارية الحياة الاقتصادية نفسها.
saeed.abuobida5@gmail.com
